.. اعترف بداية.. أن مقالاً واحداً؛ كتبه الأستاذ (خالد المالك)، أبو بشّار؛ قبل ثمان وثلاثين سنة؛ قد أعادني عنوة إلى ملاعب الرياضة والشباب؛ وكنت قد ودعتها بآخر نومة لي أمام التلفزة الحصرية؛ وذلك في آخر مقابلة لمنتخبنا الوطني أمام منتخب إيرلندا، وكان هذا وعداً قطعته على نفسي في مقال سابق لي عن (الكُجَّة السعودية)، نشر هنا يوم الأحد (9 يونيو 2002م)، بعد مباراة فريقنا أمام الفريق الألماني، والذي حصد منها في شباكه الأنيقة؛ (ثمانية ألمانية نظيفة)..! ففي يوم الثمانية الشهير ذاك؛ نمت قرير العين نصف نومة، استغرقت الحصة الثانية من المباراة كاملة.
وفي مباراتنا مع الكاميرون؛ نمت ثلاثة أرباع نومة؛ أي بعد مرور نصف الحصة الأولى من المقابلة. أما في مباراتنا مع إيرلندا؛ فقد فتحت التلفزة على المباراة، ثم أعطيتها ظهري ونمت..! والحمد لله. فها أنا أرى في هذا الموقف الذي اتخذته؛ والذي قد يسميه بعضهم؛ احتجاجاً صامتاً؛ ما رآه أبو الطيب المتنبي في نظرته للحياة حيث قال:
أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم
.. بعد ذلك، لم أعد أهتم بشيء آخر في شأن (الكجة)، ورحت أبحث عن مواضيع جديدة تصلح لمقالي الأسبوعي خلاف المواضيع الرياضية، وخلا كرة القدم بطبيعة الحال، حتى وقع نظري على مقال في صفحة (زمان الجزيرة)؛ منشوراً صبيحة يوم الخميس (13 من يونيو 2002م)؛ بتوقيع رئيس الكتبة اليوم في هذه الجريدة؛ الأستاذ (خالد المالك)، يتحدث فيه عن كرة القدم، ولكنه مقال منشور في الجزيرة بتاريخ (18 ـ 2 ـ 1386هـ)الموافق للسابع من يونيو 1966م، واعتقد أنه لخالد المالك المحرر الرياضي في ذلك الوقت؛ وهو اليوم الذي لم نكن نعرف فيه هنا في الطائف جريدة اسمها الجزيرة، وتلك السنة هي سنة تخرجي في المرحلة الابتدائية، ثم سنة بداية معرفتي ببعض الصحف والمجلات، وما كان في متناولي يومها سوى جريدة الندوة التي تصدر في مكة، ثم أصبحت أنا فيما بعد؛ مراسلاً لها عام 1388هـ، ومجلة الخواطر التي تصدر من بيروت، وكنت أكتب لها بعض خواطري الخاصة، فتنشرها مع صورة لي؛ فأمتلىء زهواً بذلك..!
.. جاء مقال (أبي بشّار)؛ وهو ينتقد نصوص لائحة دوري المصيف، ومن ضمن ذلك؛ اقتصارها على الفرق الأربع الفائزة في مناطقها؛ مضافاً إليها فريق (التضامن)، الذي هو الفريق الوحيد بالطائف في تلك الفترة على ما يبدو.
.. وتساءلت بعد قراءة المقال في (زمان الجزيرة): أين هو دوري المصيف..؟ بل أين هو نادي التضامن؛ وأين هي أندية عريقة سبقته في الظهور واختفت؛ مثل: (ثقيف، والمصيف، وأشبال المنصور، والكواكب)..؟ فنحن في الطائف كنا وما زلنا؛ نسمع عن مثل هذه الأندية التي كانت بالطائف، في الستينيات والسبعينيات والثمانينات الهجرية، وما زلنا نسمع عن مستوى كرة القدم فيها، يوم كانت تقارع بها قدم الوحدة من مكة؛ والاتحاد من جدة..!
.. أما دوري المصيف الذي استمر قرابة خمسة وثلاثين عاماً؛ فإنه هو الآخر أصبح من أخبار الماضي، بعد أن تدنى مستوى الرياضة في المصيف عموماً، وكرة القدم على وجه الخصوص، فالدوري تعرض لنكسات تنظيمية منذ سنوات؛ ثم ما لبث أن توقف، أو ظهر في مدينة أبها بصورة مجددة..؟!
.. إنّ مقال (المالك)؛ الذي بعثته إلينا صفحة (زمان الجزيرة)، بعد أكثر من ثلث قرن، يطرح سؤالاً كبيراً بحجم الوضع الذي تعيشه الرياضة اليوم في المصيف؛ فهي ألعاب رياضية تشير إليها لوحتان على مقري ناديين هما (عكاظ ، ووج)، ثم لا يكاد أحد يسمع بهما أو يعرف أين موقعهما على خارطة الطائف..!
.. إنّ تدني المستوى الرياضي في الطائف؛ بدأ قبل توقف دوري المصيف بسنوات قليلة، ولعل توقف الدوري إيّاه؛ كان نتيجة طبيعية لهذا التدني، الذي جعل فرق الطائف في كثير من الألعاب؛ وفي كرة القدم خاصة؛ في المؤخرة على الدوام.
.. كنت طرحت في أكثر من مناسبة؛ فكرة عقد ندوة (رسمية أهلية) برعاية من محافظ الطائف الأستاذ فهد بن عبدالعزيز بن معمَّر؛ لمناقشة هذا الوضع، وتدارس الأسباب التي تضغط بثقلها لتهميش الدور الكبير الذي كانت تمثله الطائف، في تنمية وتخريج الكوادر الرياضية، التي يوجد منها بقية في أندية المقدمة اليوم.
.. وليس الرياضة وحدها؛ وكرة القدم بالخصوص؛ هي التي تحتاج إلى دراسة مستفيضة، وتقييم علمي؛ ثم تقويم عملي، ولكن كافة الأنشطة الشبابية في الطائف، تلك التي ترعاها الرئاسة العامة لرعاية الشباب؛ تتطلب وقفة جادة لتصحيح مسارها؛ وبث الروح في أوصالها. فالنادي الأدبي على سبيل المثال؛ يبدو وكأنه يعيش في بيات طوال العام؛ فلا يعرف طريقه شاب من الطائف إلا ما ندر؛ وجمعية الثقافة والفنون هي الأخرى؛ انحصر دورها في المسرح، واختفت منها الأنشطة الفنية والموسيقية، ولولا منتدى عكاظ الثقافي نصف الشهري؛ لما سمع أحد بنشاط في هذه الجمعية؛ التي كانت في بدايات تأسيسها؛ شعلة من النشاط.
.. هذا هو التحدي الكبير؛ الذي أرى أنه يواجه محافظة كبيرة مثل الطائف؛ فيها (مليون وأربع مئة ألف إنسان)، ثلاثة أرباعهم أعمارهم تحت الثلاثين عاماً. والأمر يتطلب إيجاد متنفسات طبيعية للشباب؛ من خلال القنوات الرسمية التي هيأتها الدولة لمصلحة الشباب؛ والنظر في أوجه الخلل التي حدت من دورها، وعلاجها على مستوياتها التنظيمية والإدارية والفنية، بعيداً عن المجاملات المتبادلة؛ والاجتهادات الفردية.
.. إنّ بعض الحوادث التي يرى البعض أنها تكثر في الطائف عن غيرها من المدن؛ ومنها التورط في قضايا تتعلق بالمخدرات؛ وحوادث سرقة وسطو وقتل وغيرها؛ ربما تعود أسبابها في معظمها؛ إلى الفراغ الذي يعصف بالمراهقين وبالشباب، فمثل هؤلاء من الأحداث؛ لا يجدون في ناديهم الأدبي؛ ولا في جمعيتهم الثقافية الفنية، ولا في نادييهم الرياضيين؛ ما يشجعهم على الانخراط في برامج تربوية وثقافية ورياضية وفنية وأدبية واجتماعية؛ تشغل وقت فراغهم، وتضيف إليهم معارف ومهارات مشوقة؛ تمهد لهم الطريق نحو تحقيق ذواتهم، وشحذ هممهم، وإشباع هواياتهم، وإبراز مهاراتهم، وتقويم سلوكهم.
.. فهل نتدارك هذه الوضعية، فنعمل على رفع مستوى الأداء العام في ميدان الرياضة والفن والأدب في المصيف، ليعود للمصيف بريقه الذي كان قبل ثلث قرن..؟
.. أتمنى ذلك.
|