Sunday 23rd June,200210860العددالأحد 12 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الروائي يوسف القعيد يحكي عن مشواره مع الرواية الروائي يوسف القعيد يحكي عن مشواره مع الرواية
رغم الإحباط لا أجد أي بديل آخر سوى الاستمرار في الكتابة
عشت في قريتي سنوات العزلة الجميلة بسبب ألف ليلة وليلة اتجهت إلى الكتابة

يوسف القعيد أحد فرسان الرواية العربية وواحد من كوكبة جيل الستينيات في مصر .. له حوالي ثلاثين كتاباً ما بين الرواية والقصة القصيرة وأدب الرحلات والمقالات.. ولعل أشهر أعماله المعروفة للقارئ العربي «الحرب في بر مصر» و«يحدث في مصر الآن» و«أخبار عزبة المنيسي» و«مرافعة البلبل في القفص» وغيرها.. ومنذ سنوات عديدة انتبهت السينما ومن بعدها التليفزيون للثراء الدرامي في رواياته، فأنتجت السينما «المواطن مصري» و«زيارة السيد الرئيس» وأنتج التليفزيون «وجع البعاد» في شهر رمضان الماضي.
هذا المشوار عبر ما يزيد عن ثلاثين عاماً مع الكلمة ما بين الإبداع والعمل الصحفي في مؤسسة دار الهلال، والسينما والتليفزيون .. مشوار حافل بالتحدي والإصرار والعطاء، حاول القعيد أن يلقي الضوء عن أهم محطاته في ندوة الجمعية المصرية للنقد الأدبي برئاسة الناقد الكبير د.عزالدين اسماعيل .. فمن خلال نشاط الجمعية رفيع المستوى حكى محمد يوسف القعيد عن تجربته كاتباً روائياً .. ولنبدأ معه من البداية:
البداية
ولدت في أبريل 1944م بقرية الضهرية، مركز إيتاي البارود بالبحيرة،وكان أبي يعمل بالزراعة ولا يملك أرضاً وإنما يعمل بنظام «المزارعة» أي بالجهد وتقاسم تكاليف الإنتاج مع مالك الأرض. وعندما وعيت الحياة لم يكن بالقرية سوى «الكُتّاب» ولم تكن هناك مدارس، الآن تغير الوضع كثيرا فأصبحت هناك مدارس متعددة بما فيها الثانوي ووصل تعداد السكان إلى مائة ألف نسمة، يحلمون الآن أن تتحول القرية إلى مدينة. ولكني بشكل شخصي أتمنى أن تبقى قرية كما هي .. وأتمنى لو أستطيع العودة والحياة بها، لأنني لم يكن أمامي مفر سوى الحياة في القاهرة رغماً عني ولست مرتاحاً للمعيشة فيها لأنها مدينة لا تعرف الرحمة.
في سنواتي الخمس الأولى استمتعت بالعزلة الجميلة في قريتي، فلم نكن نعرف أياً من وسائل الإعلام سوى الراديو.. كان هناك راديو خشبي عتيق واحد يملكه أحد الإقطاعيين، وأذكر أنه كان يدار ببطارية ضخمة تشبه بطارية السيارة وكنا نذهب لا للاستماع إليه وإنما للفرجة فنقف ونصغي بانتباه إلى ذبذبات وأصوات غير مفهومة ولا نسمعها جيدا .. أما الجرائد فكانت تأتي دون انتظام ويتأخر وصولها ولعدد قليل من الأشخاص مثل العمدة وبعض رجاله .. وعندما سمعت كلمة «هنا القاهرة» شعرت شعوراً مثيراً وانتبهت إلى أن هناك عالماً آخر، ومن خلال هذا الراديو عرفنا أن الثورة قامت وتغير وعيي بعد أن كنت أعتقد أن آخر حدود قريتي هي آخر حدود الكون وأن عمدة الضهرية هو أهم شخص في العالم.
في تلك السنوات الباكرة لم أر جريدة ولم أسمع عن كلمة مسرح أو سينما، والحادثة المهمة في تلك الفترة أنني فزت بجائزة حفظ «جزء عمّ» وتسلّمت «خمسين قرشا» هي قيمة الجائزة ومصافحة حكمدار المديرية وكان ذلك عام 1950م على ما أذكر.
وحين تبرع العمدة ببيت قديم تأسست أول مدرسة في القرية هي مدرسة «عسران عبدالكريم» الابتدائية وبدأ عهد التعليم المدني، وأذكر أنهم كانوا يقدمون وجبة غذائية فخمة لتلاميذ المدرسة وهذا أغراني بترك «الكُتّاب» والذهاب إلى المدرسة حتى أفوز بالوجبة وأنسى أيام العقاب على يد الشيخ «بخاطره».
فترة التكوين
أهم المكونات الثقافية في تلك الفترة اتسمت بالشفاهية من خلال خطبة الجمعة وحكايات الفلاحين في الغيطان والمساطب والموالد الشعبية، والفرجة على خيال الظل مقابل «تعريفة». آنذاك حدث أحد أهم الحوادث في حياتي، فوالدي كان يستأجر أرضا في قرية تبعد عن قريتنا حوالي 7 كم «وصفتها في روايتي أخبار عزبة المنيسي» وكان صاحب العزبة من أتباع حزب مصر الفتاة وفي بيته مكتبة كبيرة أتيح لي ذات يوم أثناء نومه أن أعبث بها فوقع في يدي الجزء الأول من ألف ليلة وليلة ومنذ تلك اللحظة ارتبطت بها ارتباطاً وثيقاً وطلبت من الرجل قراءة بقية الأجزاء، وأذكر أنها كانت طبعة دار الهلال تهذيب طاهر الطناحي، وهذه القراءة التي جاءت بالصدفة هي التي حفزتني إلى الاتجاه إلى الكتابة، فكأنه اكتشاف سحري وبلغ عشقي لألف ليلة وليلة أنني خصصت في مكتبي دولاباً كاملاً لكل طبعاتها وما يتعلق بها.
كما أعطاني هذا الرجل كتاباً لأحمد حسين زعيم حزب مصر الفتاة يدافع فيه عن نفسه من تهمة إشعال حريق القاهرة وكان يضم محاضر البوليس وأقوال شهود العيان بكل تناقضاتها فيما يشبه يوميات ما حدث، فتعلمت منه تعدد الأصوات والحس التوثيقي.
في هذه المرحلة أو ما يسمى بمرحلة المراهقة يفضل معظمنا التعبير عن مشاعره من خلال الكتابة سواء الشعر أو القصة أو اليوميات، والقليل منا يستمر والغالبية تقطع شوطاً وتتوقف .. وبالنسبة لي كتبت الشعر وأشياء كثيرة لم أفلح في نشرها وذات يوم ذهبت إلى بيت الثقافة بمدينة دمنهور للسؤال عن مشروع الكتاب الأول الذي أعلن عنه المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، وهناك أخبرني المسؤول أن هناك ندوة آخر النهار للروائي الراحل ابن دمنهور محمد عبدالحليم عبدالله وأعطاني المسؤول آخر رواياته، فذهبت عند أحد أقربائي وقرأت الرواية وعدت إلى الندوة، وكانت هذه أول مرة التقي بأديب كبير وكان آنذاك يعيش أزمة حادة إثر خلافه مع طه حسين وفصله من مجمع اللغة العربية، فنصحني بأن أكتب وأعيش في قريتي ولا أذهب إلى القاهرة لأنها مدينة ملعونة.
الحرب والصحافة
في مايو 1965م جندت بالقوات المسلحة وكان من المفترض تسريحي في مايو 1967 لكن فوجئنا برفع درجات الاستعداد وحدوث النكسة واستمراري في الجيش حتى عام 1974م. كنت في وحدة خدمات طبية أي في الخطوط الخلفية لجبهة القتال وهذا أعطاني وقتاً ممتداً للقراءة والكتابة، وجاءت رواياتي عن الحرب لتعكس خبرة الرؤية من الخطوط الخلفية وتأثيرات الحرب على المجتمع ولم أعن بتصوير المواجهة مع العدو. وما زال يوم 5 يونيو يوم الاثنين يعيش بداخلي أكثر من يوم 6 أكتوبر رغم معايشتي لليومين في الخدمة. لكن رغم انكسار الحلم ظل ارتباطي وتقديري لثورة يوليو التي لولاها لما دخلت المدرسة.
وتأتي روايتي الأولى «الحداد يمتد عاماً آخر» عام 1966م وكان هناك رقابة على النشر فرفض الرقيب العنوان وطالب أن اكتفي بعنوان «الحداد».
آنذاك كوّنا مجموعة تضم جمال الغيطاني وعبيد طوبيا ومجدي نجيب وبدأنا في جمع تبرعات لنشر أعمالنا وكان الكتاب يتكلف حوالي خمسة وثلاثين جنيها.
وبعد نشر مجموعة جمال الغيطاني الأولى أوقفت الحكومة المشروع ظناً منها أننا نتلقى تمويلا! والحقيقة أننا كنا نشعر باستحالة النشر لأنه لا يوجد دور نشر خاصة وإنما فقط القطاع العام، ولسوء الحظ صدرت الطبعة الأولى من روايتي الثانية «أخبار عزبة المنيسي» في 28 سبتمبر 1970م.
وفي هذه الأثناء بدأت تجربتي مع العمل بالصحافة، ولا اتفق مع من يقول إن الصحافة تضر بإبداع الكاتب فالحقيقة أن الصحافة أتاحت لي فرصة الاطلاع والإبداع ومشاهدة مدن كثيرة، وعلمتني أن ما أكتبه ليس مقدساً بل يجوز حذفه واختصاره.
لحظة الكتابة الآن
والآن بعد هذه المحطات أشعر أن القراءة تتراجع، والغريب أننا كنا نردد هذا منذ بدأنا الكتابة في الستينيات، وأظنني أشترك جزئياً مع غيري في تحول اهتمام القارئ لأننا ككتّاب أهملنا في كتاباتنا القارئ، وعكسنا فقط احباطاتنا المشتركة من الواقع. وللأسف فإن المثقفين في العالم العربي وفي العالم الثالث بصفة عامة غير مؤثرين وليسوا رموزاً أو قدوة عند القارئ، وضعف تأثيرهم عما كان في خمسينيات القرن الماضي .. وعلى ماذا يراهن الكاتب؟ لقد عشت مع الكتابة «وعيني» على مشروع أساسي هو إشعار القارئ بأن هناك خللاً ما في الواقع ينبغي أن ينتبه إليه وأن يتحرك لتغييره إلى الأفضل..
الآن الجمهور يتحرك حسب المصلحة فقط .. فهل يراهن الكاتب على زملائه أم أستاذ الجامعة أم المستشرق! لا أعرف. أظن أن الأمية سرقت منا القرّاء .. علاوة على أن كثيرا من المتعلمين لا يقرؤون .. ولو استجبت لهذا الهم ما كتبت حرفاً لكني لا أجد أمامي أي بديل آخر سوى الاستمرار في الكتابة.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved