بينما يجهز الرئيس الأمريكي خطابا هاما حول الشرق الأوسط تبرز فكرة دولة فلسطينية محدودة كأحد البدائل المطروحة على الطاولة، وهناك طريقة واحدة فقط لجعل هذا الاختيار فعالا وهي أن يكون جزءا من تطبيق مرحلي لتسوية نهائية بعد أن يتفق الأطراف على معاييرها.
إن إقامة مثل هذه الدولة المحدودة الآن على أن تتم لاحقا مناقشة موضوعات التسوية النهائية سوف يكون خطأ فادحا من شأنه أن يعرقل الطرفين (فلسطين وإسرائيل) والولايات المتحدة معا.
وإذا نظرنا إلى المشاكل التي تواجه هذا البديل نجد ان أية دولة مهما كانت صغيرة لابد أن تكون لها حدود دولية ومن ثم تمتلك القدرة على إن لم يكن الحق في استيراد أسلحة، كما ان هذه الدولة ستكون لها حدود مشتركة مع إسرائيل وبالتالي سيكون على إسرائيل أن تفكك بعض المستوطنات وتدفع الثمن السياسي الداخلي الذي يتبع ذلك.
بينما ستواجه السلطة الفلسطينية مخاوف الشعب من أن هذا الكيان الصغير قد يكون الدولة النهائية، التي سوف تكون من ثم مرفوضة من قبل كثير من أبناء الشعب الفلسطيني. وأغلب الظن لن تقوم الدول العربية بتقديم الحوافز التي قدمتها لإسرائيل في قمة بيروت (علاقات طبيعية مع العالم العربي) من دون تسوية نهائية.وهكذا فإن كل طرف سيكون عليه أن يدفع ثمنا كبيرا بينما يقدم حوافز محدودة لشعبه.
وعلى المدى القريب قد يكون من الممكن وضع حد للعنف وتحسين معيشة الفلسطينيين، وهي أفضل ملمح لمثل هذا البديل، ولكن أثناء مسيرة التطبيق لهذه الدولة الصغيرة، وإبان محاولة تثبيت الوضع لتحجيم العنف، سوف يصور كل جانب الاتفاق على انه إنجاز كبير.والولايات المتحدة في جهدها لحشد الدعم المادي الدولي للدولة الفلسطينية ولتحويل الاهتمام في الشرق الأوسط من الصراع العربي الإسرائيلي إلى العراق سوف تفعل بالمثل بلا شك.
وفي تلك المسيرة سوف يشعر الشعب الإسرائيلي بأن إسرائيل نفذت بالفعل كل التزاماتها، فقط لمجرد أنها قبلت بدولة فلسطينية بينما سيعتقد الفلسطينيون أن هذه كانت خطوة صغيرة في المسيرة للتوصل إلى انسحاب إسرائيلي كامل من باقي الضفة الغربية والقدس الشرقية.
في الوقت ذاته سوف تبقى جميع الأمور الصعبة مثل القدس واللاجئين والحدود والمستوطنات عالقة.
إن النتيجة المبدئية سوف تكون أن المفاوضات الآن ستعقد بين طرفين مكتملي الأهلية القانونية والسيادة، ولكن سوف تظل حالة اللاتماثل في القوة موجودة، وسوف لن يكون لدى الفلسطينيين نفوذ كبير أثناء التفاوض على الموضوعات المتبقية، ولذا سوف يتصاعد الضغط عليهم للسماح «بتبني الخيار العسكري» ولكن هذه المرة مع توافر القدرة على استيراد أسلحة.
وفيما يشعر الإسرائيليون بأنهم قدموا الكثير بالفعل، سوف لا تكون لديهم طاقة احتمال للعنف المنبثق من الدولة الفلسطينية، ومازال هناك الأسوأ من ذلك، فكل طرف سوف يناور لزيادة نفوذه حول الموضوعات الصعبة المتبقية بطريقة قد تجعل قراراتهم ربما أكثر صعوبة مما هي عليه الآن.
إذن سوف تكون أوسلو جديدة، فيما عدا أن الشعب في كلا الجانبين سوف يكون أقل صبرا ولن يقبل المزيد من الوعود البحتة.
ومن وجهة النظر الأمريكية قد يبدو أن مثل هذا البديل قد يكون قادرا على الأقل على كسب الوقت، ربما سنتين وهي تبدو فترة كافية للذهاب إلى حرب العراق.لكن خيار الحرب العراقي لن يستغرق أقل من خمس سنوات من الجهد، ذلك إذا كنا نعتبر أن هدف إزاحة صدام حسين هي المهمة الأسهل بالمقارنة مع الهدف الأساسي وهو تأكيد الاستقرار في المنطقة فيما بعد.
وبمجرد أن تبدأ هذه المهمة الصعبة الأخيرة فإن المسألة الفلسطينية الإسرائيلية سوف تصبح في وضع «كش ملك» (مأزق يستحيل الخروج منه) مرة أخرى على أرضية الخلاف على تفاصيل التسوية النهائية، حينئذ قد تصبح الأرض في العالم العربي أكثر خصوبة لتفريخ الإرهاب الشامل أكثر مما كانت عليه قبل،
ربما يذهب صدام حسين ولكن الإرهاب قد يزيد.كل هذا بالطبع، يفترض أفضل سيناريو في المرحلة المبكرة لتطبيق الدولة الفلسطينية المصغرة ويقود إلى حرب محتملة مع العراق.
من المغري البحث عن طريقة سهلة للخروج ولكن لا يوجد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي يمكن التوصل إليه بثمن زهيد، وتحاول الإدارات عمل توازن بين المطالب العربية بتسوية شاملة مع حقيقة أن حكومة إسرائيل الحالية تفضل التدرج، وهذاصحيح، ولكن هناك طريقتان للتوسط بين هاتين القوتين.
الطريقة السهلة وهي تأجيل المسائل الصعبة مره أخرى من أجل التوصل إلى نجاح قصير الأمد.والطريقة الأصعب ولكنها الأكثر حذرا وهي إجبار الأطراف على الموافقة على معايير نهائية للتسوية بينما تتم طمأنة شارون عبر تطبيق تدريجي للاتفاق.وأخيرا لا شيءغير هذا المنهج الأخير يمكن أن يقود إلى السلام والاستقرار في الشرق الأوسط.
* » «زميل معهد بروكينجز بالولايات المتحدة» |