* القاهرة مكتب الجزيرة شريف صالح:
الأجندة العربية ترتبك لأي حدث والإعلام العربي يحتشد بطريقة انفعالية تارة وراء العولمة وأخرى وراء الإرهاب والحقيقة المؤسفة أن أجندة المستقبل تبقى بيضاء من غير سوء وكأنه ليس هناك أهداف أو معان تستحق من العرب أن يحشدوا الطاقات لها!!.
عكس هذا التيار السائد كانت مبادرة صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز حين أسس ورأس المجلس العربي للطفولة والتنمية ورعاه بمبادرة كريمة إيماناً بأهمية العمل الأهلي التطوعي وبالرؤية العربية المشتركة، فالمجلس منذ إنشائه يعمل بدأب من أجل استشراف مستقبل أفضل لكل طفل عربي وهو ما يؤكده صاحب السمو الملكي الأمير طلال بن عبدالعزيز: «إننا على يقين تام وإيمان راسخ بأن الاستثمار في الإنسان هو الذي يجدر أن يسبق أي استثمار، إذ انه الضمان الوحيد لتحقيق أي طموح مستقبلي تنشده شعوب العالم الثالث».
من الصعب في هذه العجالة طرح أهداف المجلس وإنجازاته ويكفي الإشارة إلى الحلقة الدراسية التي نظمها المجلس عام 1988 «نحو مستقبل ثقافي أفضل للطفل العربي» وكذلك دعم ورعاية مهرجان القاهرة الدولي لسينما الأطفال على مدى تسع دورات، والإعلان عن مسابقة إيجاد شخصية كرتونية عربية عام 1996م، وفي نهاية القرن الماضي تبنى المجلس مشروعاً عربياً لتنمية ثقافة الطفل، وتأسيس مراكز ثقافية نموذجية للطفل العربي تمتد إلى كافة الأقطار.
واستمراراً لهذا النشاط المتصل أقام المجلس ورشة عمل على مدار ثلاثة أيام استضافها المجلس الأعلى للثقافة بمصر، وكان عنوانها «ثقافة الطفل العربي والألفية الثالثة» تظاهرة ثقافية عربية تحتفي بالطفل العربي الذي تناساه كثيرا، أساتذة وأكاديميون من المملكة ومن قطر ومن الإمارات والأردن وسوريا ومصر وغيرها، صحفيون ومتخصصون في ثقافة الطفل.. مؤسسات حكومية وأهلية.. صورة رائعة للعمل العربي المشترك ومستوى راق في التنظيم وإدارة حلقات النقاش.
في افتتاح هذا الحدث الثقافي الهام تساءل د. حمد العقلا الأمين العام للمجلس العربي للطفولة والتنمية عن مدى قدرتنا كعرب على الدخول في العصر واستخدام أدواته والتحدث بلغته؟ وهذا بدوره يطرح عدة أسئلة حول المصير، وحول قدرتنا على الوجود والاستمرار وفق إرادتنا لا وفق ما يمليه علينا الآخرون، كما تحدث الأمين العام عن بعض عوامل الضعف في سياق الواقع الثقافي العربي مثل عدم مسايرة السياسات التعليمية لحاجات المجتمع وتفشي الأمية وضعف ميزانيات الخدمة الثقافية.
وجاء على جدول أعمال الورشة مجموعة من الأهداف والموضوعات الحيوية منها مضمون ثقافة الطفل في الألفية الثالثة، والدور المتوقع لوسائل الإعلام، وحتمية تنمية الثقافة العلمية، وثقافة ذوي الاحتياجات، ومفهوم الثقافة الترويحية والبيئية، والدور المتوقع للتقنية الحديثة، وأخيرا دور المجلس العربي للطفولة والتنمية في دعم وتأسيس مراكز ثقافة الطفل العربي.
تحدث في الجلسة الافتتاحية للورشة كل من د. حمد العقلا عن المجلس العربي للطفولة والتنمية ود. عبلة إبراهيم مدير الطفولة بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية و د. نجوى قصاب وزيرة الثقافة السورية والأستاذ ناصر القحطاني عن برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية، وتركزت كلماتهم جميعاً على أهمية تضافر الجهود العربية من أجل مستقبل أفضل للطفل العربي خاصة فيما يتعلق بإشكاليتي الهوية والتنمية وانتهت الجلسة بأغنية عن القدس وقصيدة لشاعر يمني صغير ثم الوقوف دقيقة حداداً على شهداء الأطفال في فلسطين.
بعد ذلك توزعت أنشطة الورشة على مدار الأيام الثلاثة، ما بين ورشة فنية للأطفال أنفسهم مع بعض المشرفين، وبين حلقات النقاش وندوات المتخصصين، جاءت الجلسة الأولى تحت عنوان «مضمون ثقافة الطفل في عالم متغير»، شارك فيها د. قدري حفني «مصر» د. أحمد صدقي الدجاني «فلسطين» ود. عثمان صالح «السعودية» ود. عبدالقادر بن شيخ «تونس» دعا الدكتور عبدالقادر الجهات ذات الصلة للانتقال من مرحلة القول إلى مرحلة الفعل، وربط الواقع بالجذور، واطلاق خبرات الماضي نحو تطلعات المستقبل.
ويرى د. قدري حفني أن هناك منظومة قيم تنهار وأخرى تبزغ، فالمنظومة القديمة كانت تقوم على أساسين: الثقة المطلقة غير المحدودة في ممثلي السلطة والاعتماد بالدرجة الأولى عليهم، والأساس الآخر هو النظر إلى الآخر المختلف على أنه عدو شرير، بينما تتجلى منظومة القيم الجديدة في تمرد الشباب وفي التطور التكنولوجي وما يفرضه من بناء قيمي مغاير.
أما الدكتور عثمان صالح العامر عميد كلية المعلمين بحائل فركز على أبعاد التنشئة الأخلاقية للطفل العربي، وأكد أن التنشئة الاجتماعية لا تتأتى عن طريق حشو الأذهان بالمعلومات بل بتهذيب الأخلاق وتربية الأرواح.. كما لا تتأتى عن طريق الضغط الاجتماعي أو الثواب والعقاب فقط وإنما بتكوين دوافع حقيقية نابعة من التزام شخصي بمصفوفة القيم.
واهتم الدكتور الدجاني في بحثه بالعلاقة بين الطفولة والعولمة، وما يتهدد الطفل من أخطار، فهناك تطبيقات غير أخلاقية للهندسة الوراثية للتحكم في جنس الجنين، وهناك حرمان لأطفال كثيرين من أن يكونوا «شرعيين» دينياً واجتماعياً من خلال ظاهرة «الارتباط الحر» فثلث الولادات في كندا عام 1988 كانت دون زواج، كذلك نشرت مؤخراً عدة تقارير مفزعة عن استغلال الأطفال في الدعارة والارتزاق في شوارع المدن الكبيرة.
وفي جلسة العمل الثانية شارك عبدالتواب يوسف «مصر» ود. أحمد الحمادي «الإمارات» ود. إسماعيل عبدالفتاح «مصر» وآمال بيومي «مصر» وانصب اهتمام الأساتذة المشاركين في هذه الجلسة على واقع الطفل في البلدان العربية كمصر والإمارات على سبيل المثال، ومدى نجاح الفكرة التي يدعمها المجلس العربي حول مراكز ثقافة الطفل، كما شارك في ورشة العمل المهندس نبيه ريال مدير مركز هيا الثقافي لتنمية الطفولة بالأردن الذي تحدث بدوره عن هذا المركز الوحيد من نوعه في الأردن والذي يضم مكتبة تحوي 40 ألف كتاب للأطفال، أي أن جلستي اليوم الأول تكاملتا تنظيرا وتطبيقا للإلمام بواقع الطفل العربي وما يصادفه من تحديات وما يحتاج إليه من برامج تثقيفية.
في اليوم التالي كان المحور الأساسي حول تنمية ثقافة الطفل العربي اللغوية بمشاركة د. عبدالله الدنان «سوريا» ومارغو ملاتجيان «الأردن» ود. هيا إبراهيم «قطر» ومن الطريف أن د. الدنان عرض فيلماً بمثابة تجربة حية في تعليم طفله الصغير كيف يتحدث الفصحى بشكل صحيح، وتحدثت مارغو ملاتجيان عن أهم مشاكل تعليم العربية مثل مشكلة ثنائية اللغة «العامية والفصحى» وكيفية توظيف اللغة والأدب تربوياً.
وتركزت الجلسة الختامية في اليوم الثالث على التكنولوجي والتقنيات الحديثة ودور السينما والتلفزيون ووسائل الإعلام المختلفة في تنمية الطفل وتأكيد هويته وقدمت مجموعة من الأبحاث الهامة منها «واقع البرامج التلفزيونية الموجهة للأطفال في العالم العربي.. رؤية مستقبلية للأستاذة هالة الأتاسي «سوريا» «إيقاظ العبقرية في الأطفال» للأستاذة لينة الأبيض والأستاذة ابتسام ياسين «السعودية» و«استثمار الأفلام في تنمية وعي الطفل» للأستاذة فاطمة المعدول «مصر» وفنون الأطفال متحدي الإعاقة للأستاذة نعم الباز «مصر» وكلها مشاركات من واقع الخبرة والتجربة وليس الدراسة والبحث فقط، تشهد بقوة الحضور النسائي في هذه التظاهرة التي تحتفي بطفل الغد.
على هامش فعاليات المؤتمر كان هناك معرض لكتب الطفل وآخر لرسومه، كما وزعت بعض الأوراق المهمة منها «إعلان الدوحة» لأعمال المنتدى الإعلامي الخليجي الأول حول التلفزيون وحقوق الطفل والذي عقد في شهر فبراير برعاية صاحب السمو أمير دولة قطر والشيخة موزة بنت ناصر المسند رئيس المجلس الأعلى لشؤون الأسرة بقطر، كما كانت هناك ورقة أخرى مهمة وهي نداء من أطفال العراق لرفع الحصار عن الوطن بتوقيع الطفلين علي محسن خليل والمصطفى محمود عن أطفال العراق.
|