صدر مؤخراً عن المجلس الاقتصادي الأعلى برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز خمسة قرارات جديدة تدعم الاتجاه الحكومي الجاد إلى خصخصة القطاع العام أو الحكومي وهي ضمن جملة قرارات تهدف في النهاية إلى الإصلاح الاقتصادي ومشاركة القطاع الخاص «Divestiture » في الاقتصاد الوطني المحلي.
هذه القرارات الجديدة والتي نشرت في الصحف في حينه هي الخاصة بخصخصة قطاعات «المياه والسكة الحديدية والنفط والبريد» كل حسب قطاعه وأسلوب توجهه في إشراك القطاع الخاص سواء بإنشاء شركة جديدة قد يضطر لها وهو ما سيتم مثلا مع قطاع النفط، ولكن قبل أن نذهب إلى تحليل هذه القرارات المتعلقة بالخصخصة ومدى تأثيرها على الاقتصاد الوطني وهو الهدف الرئيسي منه نريد قراءة ومعرفة هذا التوجه للتخصيص ووجهة نظر الناس سواء من الاقتصاديين المختصين أو المواطن العادي الذي ينظر للتخصيص غالباً برؤية واحدة وهي أنها تعني ارتفاع الأسعار.
ومن عوامل نجاح التخصيص التي يجب العمل على تهيئتها هي التالي:
توفر الظروف الخاصة بذلك لضمان التخصيص.
التأكيد على التخصيص يعد بمثابة استراتيجية تعمل الحكومة على تطبيقها والعمل عليها.
وجود القوانين والأنظمة التي تتواكب مع عملية التخصيص ووضع آلية لذلك يعرف من خلالها قانونية كل خطوة تتم أو لأي خلاف قد ينشأ من ذلك.
يجب فتح باب الاستثمار الأجنبي للمشاركة والمساهمة بعملية التخصيص لدينا للاستفادة من الضخ المالي والخبرات المتوقع أن يستفيد منها الاقتصاد الوطني.
يجب إلغاء أي دعم أو منح حكومية للقطاع الخاص بأي صورة لأن المنافسة القادمة لن تجعل الحكومة مستمرة بهذا الدعم، وكذلك التوجه الدولي والاتفاقيات الدولية التي أصبحت تقلص أي دور حكومي من خلال المساهمة بالقطاع الخاص.
لابد من توفر السيولة التي يمكن لها أن تستوعب عملية التخصيص ويجب إدراك أنها مبالغ ليست بالصغيرة فنحن نتحدث عن مليارات الريالات وأقرب مثال شركة الاتصالات السعودية التي تشير التوقعات إلى طرح 30% من رأس مالها للاكتتاب العام وهي تمثل ما قيمته 6 ،3 مليارات ريال من أصل 12 ملياراً، فماذا عن بقية الشركات.
يجب أن يكون التخصيص مرحلياً ومتوازناً مع الوضع الاقتصادي وهذا مهم للاقتصاد المحلي والسوق المالي «يفترض أنه سوق مالي» حتى لا يكون هناك إرباك قد ينشأ عن ذلك حالات تضخم اقتصادي بسبب تدني السيولة وأيضا زيادة حالة الركود الاقتصادي.
أن يكون هناك سوق مالية في المملكة وتكون نشطة وفعالة لتساعد على البيع واستيعاب هذه الشركات التي تطرح في السوق.
يجب إيجاد المنافسة من القطاع العام المراد تحويله أو القطاع الخاص، حتى لا تكون هناك احتكارية تفرض واقعاً غير متوقع في الاقتصاد الوطني وهذا مهم، وأن تتنوع الشركات والمؤسسات ولعلنا نضرب مثلا بشركات التأمين، فلا يوجد إلا شركة واحدة وحيدة مرخص لها والبقية ال200 شركة غير مرخص لها وهي التعاونية للتأمين وهي ملكية حكومية 100% إذ كيف لها أن تتحول إلى القطاع الخاص في ظل منع الترخيص لأي شركة تأمين جديدة.
يجب توسيع دائرة الملكية للقطاع المحول فلا تكون هناك سيطرة شخص أو أشخاص أو مؤسسة أو شركة في قرارات القطاع المحول.
لابد من مراقبة الأسعار بعد التحويل مثل المياه والبريد وغيرها وأن تكون معقولة ولا أقول متدنية لأنها لابد أن تربح في النهاية لتنمو وتتطور وتستمر.
أن يكون هناك شفافية عالية مع تطبيق مبدأ التخصيص وأن لا تكون هناك أي معلومات أو أرقام سرية بذلك والهدف النهائي هو أن التخصيص يجب أن يكون أكثر قوة وصلابة مهما كانت الأرقام والحقائق سلبية لأنها أساس بداية العلاج والحل.
أن يكون التحول مرناً وسلساً وواضحاً من خلال خطوات تم إعدادها ولا تطغى البيروقراطية التي تعيق التحول وتؤثر سلبا بدون أي مبررات جوهرية أو موضوعية.
لا يجب تحويل الشركات المثقلة بالديون والمتعثرة لأن ذلك سيوجد عبئا على القطاع الخاص الذي قد يغلق هذا القطاع بسبب الديون الكبيرة فيجب أن تكون هناك نقطة تلاقٍ بين مديونية القطاع المحمول وكيفية تحويله ولا يعني ذلك تحويل كل قطاع رابح فقط، لكن يقصد من ذلك الشركات التي تعتبر بحكم المتعثرة في النمو.
من المهم أن تكون الحكومة أوصلت رسالة للمواطنين والمستثمرين بأنها لا تحول القطاعات المتعثرة والخاسرة بل إن ما يمكن تخصيصه سوف يحقق عوائد للمستثمرين والمواطنين إن شاء الله والحقيقة أن الحكومة لدينا لم تحول إلى الآن إلا الشركات الرابحة والمجدية اقتصادياً وممكن أن تتعاظم ربحيتها بعد التخصيص.
من المهم أن لا يكون هناك تعارض بين التخصيص لدينا وهيئة الاستثمارات العامة والتراخيص التي تمنحها ويجب التنسيق بذلك.
بعد تخصيص القطاع يجب تغيير الهيكل الإداري القديم بهيكل إداري جديد لضخ دماء جديدة وإدارة جديدة للقطاعات التي يتم تخصيصها.
الواقع والمطلوب
ويجب الإشارة إلى أن صندوق النقد الدولي قد طالب المملكة في تقريره السادس من العام الماضي إلى ضرورة مشاركة من القطاع الخاص على الناتج المحلي وأداء الاقتصاد لأننا أصبحنا كاقتصاد نعتمد على الحكومة في كل التنمية الاقتصادية ونموها وهذا أوقع اقتصادنا في معضلة كبيرة وهي أنه بقدر ما تنفق الحكومة في الباب الرابع من الميزانية يظهر مدى حجم النمو أو الأثر المتوقع وهذا عكس توجه الاقتصاديات الدولية الكبيرة التي تعتمد حجم الإنفاق الاستهلاكي وكان تركيز صندوق النقد الدولي في تسريع عملية التخصيص تخفيف اعتماد الاقتصاد الوطني على الإنفاق الحكومي ضمن التوجه نحو الإصلاح الاقتصادي وهو ما تعمل الحكومة عليه الآن وظهر ذلك من خلال خطة التنمية السادسة والسابعة الحالية واعتبر خياراً استراتيجياً للحكومة وأصرت الحكومة السعودية على أن يكون ذلك في ظل التوجه نحو التخصيص وأن يصاحب هذا التحويل منفعة حقيقية ستتحقق من خلال خفض التكلفة وحسن الأداء والتشغيل وإيجاد فرص وظيفية جديدة، أي سلطة وهو التوجه الدولي الذي يطبق ونعيشه وسنعيشه بعمق أكبر وأكثر.
ان توجه الحكومة لخصخصة قطاع البريد أو سكة الحديد أو النفط وغيرها وهو توجه إيجابي لا شك في ذلك ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار ما سبق أن ذكرنا عن الحد الأدنى المطلوب لكي نحقق الخصخصة وفق نهج استراتيجي وقانوني يأخذ بأبعاد كل عملية التخصيص بكل تفاصيلها وهذا ما نرجو تحقيقه لكي يكتب لها النجاح، والقطاعات التي سيتم تخصيصها يجب أن تضع في حسبانها وخططها القريبة والبعيدة المدى حجم المنافسة القادمة التي لا شك أنها ستكون أمراً واقعاً لنا كأفراد ومستهلكين ومستثمرين وإذا لم نكن مستعدين لهذا التنافس والتحدي القادم فإن هذه القطاعات التي تم تخصيصها ستخرج من حلبة المنافسة ولن يكون هناك دعم حكومي بأي شكل من الأشكال وفق المعايير الدولية التي تطبق والتي أصبحت كثير من الدول تعاني من ذلك حتى اننا نجد شركات دولية كبيرة سواء مصرفية أو خدمية أو تقدم سلعاً مختلفة تتجاوز دولاً كثيرة بحجم قوتها المالية وسيطرتها، فهل نحن مستعدون لذلك؟ وهل تم أخذ الاعتبار لذلك جيدا؟.هذا ما نأمله ونرجو أن يكون قد رسم له وبخطط بعيدة المدى ووفق استراتيجيات واضحة.
|