عندما يجرؤ كاتب ما على دحض الأكاذيب والأساطير الإسرائيلية من خلال بحث موضوعي ومستندات وبراهين، كما يفعل نورمان فنكلشتين في هذا الكتاب، فالتهمة جاهزة ومعدة لكي تعلق في رقبته ومكتوب عليها بحروف كبيرة بارزة «معاد للسامية»، أما إذا كان هذا الشخص يهوديا ونجت أسرته من مذابح النازية، مثل فنكلشتين أيضا، فهناك تهمة أخرى جاهزة تقول «يهودي كاره لنفسه»، واليهود الذين قرأوا هذا الكتاب علقوا عليه بالقول إنه مليء بالأكاذيب ومتحيز للعرب وكأن إسرائيل دولة فوق النقد وفوق الخطأ وفوق المجتمع.
يكشف كتاب فنكلشتين النقاب عن المزيد من الأساطير الصهيونية والأكاذيب التي لم تمل من ترديدها الدعاية الإسرائيلية وأبواقها المنتشرة في كل مكان، فيزيح الغبار عن الحقائق الخافية ويعيد معالجة ما دأب المؤرخون التقليديون على ترسيخه في وجدان العالم استنادا على أيديولوجية اليهودي الضحية المشرد بلا وطن والذي يرغب في أن يعيش في سلام ولكن العرب يرغبون في إلقائه في البحر وأشياء من هذا القبيل.
يبحث فنكلشتين في جذور الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ويحاول أن يضع يده على أسباب الانتفاضة الحالية كما يقوم بتحليل مجموعة معقدة من القوى الاجتماعية والسياسية والأيديولوجية التي صاحبت نشوء الحركة الصهيونية ونشأة إسرائيل وطرد الفلسطينيين أصحاب الأرض.
كما يتحدى انحياز المؤرخين الإسرائيليين التقليديين ويكشف عن كثير من الثغرات في أعمالهم، فقبول التاريخ الإسرائيلي «الرسمي» يعني قبول مزاعم صهيونية معينة باعتبارها حقائق مسلماً بها.
على سبيل المثال دأب الفكر الصهيوني دائما على القول بإنه ليس هناك شيء اسمه «الفلسطينيون» وأن المنطقة التي توجد فيها إسرائيل الآن كانت منطقة مقفرة جرداء حينما بدأ الصهاينة في استعمارها وأن الكثير من أولئك العرب الذين أصبحوا لاجئين بعد ذلك خلال الحرب الإسرائيلية العربية الأولى كانوا في الواقع مهاجرين حديثا إليها.
ولذلك، كما يزعمون، فإن اليهود لديهم حق أكبر من العرب في الأرض، وهذا يفسر قيام دولة إسرائيل.
وبالمثل مطلوب منا أن نصدق أنه على الرغم من أن هذه الحرب أدت إلى تشريد700 ألف فلسطيني، فإن هذا الخروج لم يحدث من خلال حملة طرد منظمة ولكنه حدث نتيجة «أوامر عربية» صدرت عبر الإذاعات العربية، أو نتيجة للخوف من العدوان الإسرائيلي أو التهديد به، وتصور اعتداءات إسرائيل على أنها دفاع عن النفس ضد العدوان العربي وأن كل حروب إسرائيل وأعمالها العسكرية اللاحقة كانت انتقامات ضرورية باعتبارها ضحية.
ومشكلة كل هذه الأكاذيب هي أنه من الصعب ابتلاعها ويهدف كتاب فنكلشتين بشكل أساسي إلى بيان أنها لا تستطيع أن تصمد أمام التحقيق الدقيق.
ومن أجل تسهيل تحليله يشير المؤلف إلى ويناقش العديد من الأعمال المؤثرة التي تناقش مختلف جوانب النزاع الإسرائيلي الفلسطيني مثل «منذ زمن بعيد» لجوان بيترز و «ميلاد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين» لبني موريس و «الأرض والسلطة» لأنيتا شابير وآخرين.
ويبين تدريجيا أن الرواية «الرسمية» للتاريخ الإسرائيلي يمكن الوصول إليها فقط من خلال التفسير الدقيق والانتقائي للأدلة والبيانات والوثائق التاريخية.
المؤلف: Norman G. Finkelstein الناشر: Verso Books
|