حكمة أن يتعامل الإنسان مع العقل ليست آتية من فراغ... فقوة العقل أقدر على منطقية الحوار في لغاته العديدة، منها الحوار القولي، ومنها الحوار العملي... والإنسان يتعامل مع القول والفعل، ويعامل الآخر بهما، فهما منهج سلوكه في الحياة، ولأنَّه أوتي العقل فلا أقل من استخدامه في أعلى مراتبه، أو أقلِّها وجميعها في كلِّ الحالات تخدم ولا تهدم... إلاَّ في حالة أن يكون عقلاً «فاسداً» تأتي عنه الأقوال والأفعال في شكلها الخارج عن نطاق المعقول... وحتى عند هذا الحدِّ فإنَّ السِّمة التي تسم ما يبدو عنه بخروجها عمَّا عُرف عن العقل من الانضباط. أمَّا قوة اليد، وقوة المادة عندما يتجه لهما الإنسان في منأى عن تحكيم العقل فإنَّ في ذلك تدميراً للعلاقات البشرية في نطاقها الضيق عند حدود الأفراد، أو نطاقها الأوسع في حدود الجماعات أو الأكثر اتساعاً في حدود المجتمعات. لذلك كانت لغة العقل أكثر ضماناً لاستقرار البشر وسلامهم... بينما أيَّة لغة خارجة عن ضوابطه ومعاييره ستؤول إلى الفساد...
وكلُّ معقول محدَّد... حتى الدّابة التي قيل «اعقلها وتوكَّل»... تشير إلى وضعها ضمن مساحة محددة وهي مقيدة كي يكون في عقلها رادع لها دون الانفلات...، فكلُّ عمل مُفْلَت من زمام العقل قابل للتشتت، للضياع، للفساد، لعدم التوازن، للضلال... لأيِّ نتيجة غير محقِّقة للنجاح منه...، كذلك الإنسان دون عقل معرض لمثل ذلك..
يبدو أنَّ قوة العقل هي الحل الوحيد الآن لحل مشكلات البشرية التي تفجَّرت، وتداخلت، بل بدأت مؤشراتها الخطيرة تظهر ليس على مستوى الأفراد والشعوب والمجتمعات بل على القوى الهيكلية لحكومات العالم في ضوء تسلُّط سلطة واحدة في مقدَّرات العالم بأكمله... دون أن يقف لها تصرف العقل البشري الذي لابد أن يجتمع عليه الناس على المستويات جميعها بدءاً برجل الشارع، وانتهاءً إلى المسؤول عنه، والأمر لا يحتاج إلى حكمة عقل فئة واحدة، ولا أفراد بعينهم، ولا حكومات محددة... بل يحتاج إلى جماعية العقول وتوحُّد التوجُّه في وضع معايير العقل ليكون هو القُوى التي تتصدى للتصلُّف، والأنانية، وفرض السيطرة والهيمنة على كلِّ من ليس ضمن دائرة حدودها.
|