Sunday 23rd June,200210860العددالأحد 12 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

نوافذ نوافذ
المربع الأخضر
أميمة الخميس

إن كانت رياضة مصارعة الثيران لدى الاسبان، رياضة شعبية للغاية بين جميع طبقات المجتمع هناك فأعتقد بأنها تستمد شعبيتها، من الرمز الإيحائي العميق الذي تحويه تلك المواجهة، بين المصارع أو «الميتادور» الذكي الرشيق اليقظ، وبين الثور الذي يرمز إلى قوى الكون البدانية البهيمية والتي لم تروض ولم تدخل طوّرها الحضاري بعد.
وما صيحة «أولية» التي تصيحها المدرجات بعد أن يخر الثور صريعا إلا تركيز لابتهاج البشرية جمعاء بالقضاء على رمز البربرية الغرائزية، وانتصار الذكاء والدهاء والمناورة وليدة العقل البشري.
وأعتقد بأن رياضة كرة القدم أيضا تمتلك بعدها الفلسفي الخاص بها أيضا، ولكن هنا ليس على مستوى قطر وحيد بل تتجاوزه لتشمل العالم وتصبح كما يسمونها «ساحرة الجماهير».
وإن كان البعض قد اعتاد أن ينظر إلى هذه الرياضة بنوع من الفوقية والاستنقاص، فلأنهم لم يحاولوا أن يبحثوا في أعماقها عن الميكانيكية التي تحرك هذه الجماهير وتشعلها وتأخذها إلى مناطق قريبة من الهوس، وفي اعتقادي الشخصي بأن من شأن فريق ناجح في مباريات المونديال أن يقدم لوطنه وأمته ما تعجز عن تقديمه عشرات السفارات في أنحاء الأرض.
فهذا المربع الأخضر الذي تتراكض فوقه الأمم في كأس العالم، هو الشكل المهذب والمشذب والمطور لساحات النزال والحروب، هو الذي يختصر رغبة الرجال القديمة في الحرب والمواجهة والقتال، عندما يحولها إلى منازلة رشيقة ذكية يتدخل بها العقل والجسم معا تحت ضوابط وقوانين صارمة لإبراز المهارة والقدرة على الفوز والغلب.
ومع هذا ما برح البعض يصر على النظر إليها كلعبة.. مجرد لعبة فيها الكثير من الهدر على المستوى المادي والمعنوي، وكأنهم لم يستطيعوا أن يفتقوا الأبعاد الرمزية الكثيرة التي تختفي خلفها هذه اللعبة الشعبية.
فهي بكل تأكيد واجهة حضارية يبرز من خلالها حضارة بلد ما ومهارة سكانه البدنية والعقلية، وتفوقهم الذهني في صياغة خطط التدريب وخطط المواجهة التي تكفل اختراق نقط ضعف الخصم والتفوق عليه.
هي لغة عالمية اتفق العالم عليها ليتخلى عن لغة الدمار والعنف والحروب التي تؤدي إلى إزالة الآخر ونسفه عن الوجود، فاستبدل بكل هذا، ذلك المربع الأخضر السحري الذي يكفل كل شروط النزال لكن بالحد الأدنى من الدمار.
وهي فوق كل هذا تختصر الروح القومية لكل شعب وتميزها بين هذا الاحتشاد العالمي الكبير.
وفي النهاية لا أستطيع إلا أن أبدي أسفي على تحويل هذه اللعبة الشعبية بجميع أبعادها إلى أرقام وحسابات بنكية، بحيث منعت عن عشاقها ومحبيها وأقفل الفضاء عن نقلها سوى لجماعة محدودة، أي اختطفوا بعدها الجماهير وحماسها الشعبي وحولها إلى أرقام وأرصدة جشعة في البنوك.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved