من الصور المؤلمة التي يعجز القلم عن وصفها، تلك الصورة المتكررة التي أصبحنا نلاحظها في الفترة الأخيرة في مدينة الرياض، عند إشارات المرور، إذ تتدافق جموع من الأطفال معظمهم تحت سن السابعة يعرضون مواد وأشياء بسيطة بهدف بيعها على أصحاب المركبات.
هذه الصورة المؤلمة ليست فقط تحمل في طياتها صورة البؤس والفقر الذي يحتم على طفل أن يقف جل أوقات نهاره وليله عند إشارات المرور بهدف تأمين لقمة العيش له ولأسرته من ورائه، انها تحمل أيضاً صورة الخطر الذي لا يعرفه قلب ذلك الصغير، عندما يخترق طرق المركبات الواقفة أو المستعدة للتحرك وهدفه أن لا تفتح الإشارة إلا وقد جنى شيئاً من ثمن بضاعته، لذا فهو ينقر النوافذ بأصابع يديه ولسان ملح بالشراء، ونظرات كاسرة تفطر القلب، يسارع بها ضوء الإشارة التي قد تضيء في أي لحظة.
إن الصورة في مجملها مسيئة للطفولة، بل هي محزنة جداً عندما نرى طفلاً في الرابعة أو الخامسة من عمره يركض باحثاً عن مشترٍ غير عابئ بالخطر الذي يحدق به، وهي صورة مسيئة للمجتمع لأنها تدفع إلى سؤال عريض:
هل فقد مجتمعنا تراحمه وتعاضده إلى الدرجة الذي تحوّل فيه الطفل الصغير الى متكسب في مناطق خطرة؟ لذا فإن معالجتها مهمة جداً بالبحث أولاً عن أسبابها، وهذا يتطلب دراسة علمية جادة قد يبادر بها طالب أو طالبة دراسة عليا، فالموضوع دون شك جدير بأن يُعطى حقه من الاهتمام العلمي لأنه تحول إلى ظاهرة مستديمة يراها كل منا يومياً وهو يسير في أي اتجاه من اتجاهات مدينة الرياض، ثم إن الأمر قد لا يكون قاصراً على الرياض، بل على مدن أخرى مثل جدة والدمام وأبها وغيرها، ودراسة جامعية أو دراسات على مستوى الماجستير قد تتابع الموضوع وتناقشه وتظهر مسبباته، وتقارنه بأمثاله في دول أخرى ثم تخرج لنا بنتائج وحلول قد تكون وسيلة لمعالجة القضية.
وقد يكون من المناسب في الوقت الراهن أن تبادر وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إلى دراسة هذه الظاهرة لأن الموضوع في رأيي يدخل في اختصاصها فهناك إدارة تخص الرعاية الاجتماعية والأحداث وغيرها في هذه الوزارة، وما يقوم به هؤلاء الصغار نعتقد مبدئياً أنه بسبب الفقر، ولكن قد يكون الاستغلال من أسبابها أي استغلال أسر هؤلاء الصغار دون رابطة صلة، وقد يكون هناك أفراد يستغلونهم لصالحهم، ان من المهم في الأمر دراسة الموضوع ثم وضع الحلول له التي نأمل أن تكون عاجلة، فالظاهرة تتفشى يوماً بعد يوم.
وإضافة إلى وزارة العمل فإن الجمعيات الخيرية مطالبة بدراسة هذه الظاهرة والمساعدة على إنهائها.
إن صورة طفل يقف عند إشارة مرور تحت الشمس الحارقة أو يترنح من الإجهاد على رصيف هي صورة مؤلمة محزنة لا أظن أنها مقبولة من الوجهة الدينية والإنسانية.
|