في الثمانينات من القرن الماضي ذكر لي أن الكاتبة البريطانية أريس مردوك تجلس في أحد المقاهي اللندنية الشهيرة فحلقت وجهي وتعطرت وتزينت، ولو كان في لندن سوق حساوية لبيع البشوت لما ترددت في اقتناء ما يليق بلقاء روائية.. دخلت المقهى مستعدا بمناكبي وعضلاتي حتى آخذ مكاني بين الحشود فلا شك أنها الآن محاطة بالمعجبين والمعجبات والمريدين والمريدات فتجاربي العربية تنذرني بأني سوف أقابل من خرج قليلا أو كثيرا عن منظمة السيكولوجية الإنسانية.
دخلت المقهى ولو لم أشاهد صورها كثيرا لما عرفتها كانت تجلس وحيدة تحتسي قهوة أمريكية جلست إلى جوارها كان هناك عدد قليل من رواد المقهى لم يشعر أحد بدخولي أو جلوسي إلى جانبها جلست معها أكثر من ثلاثة ساعات تتكلم معي بصوت خافت مليء بالاحترام وأنا أتعتع عليها بلغتي الانجليزية الضعيفة نسيت أني في حضرة روائية ترجمت أعمالها إلى كل اللغات تقريباً.
قبل تلك المقابلة بسنة ونصف دعاني مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في هلنسكي إلى أمسية شعرية سيحييها الشاعر محمود درويش بترتيب من جمعية الصداقة العربية الفنلندية، من حسن حظي وصلت متأخرا وأندسست بين الجمهور القليل.
وبعد نهاية الأمسية قررت أنا وعدد من العرب القاطنين هناك ان نجلس بقية السهرة مع محمود درويش من باب السواليف لا أكثر ولا أقل، فتحركنا لدعوته من على المنصة. وعند الصعود أوقفنا اثنان من مكتب المنظمة وطلبا منا بكل أدب تنظيم أنفسنا بشكل جيد إذا أردنا السلام على الشاعر، استغربت عبارة (السلام على الشاعر) لم أفهم فحواها إلا بعد ان وقف محمود درويش بصورة زعيم ووقف إلى جانبه اثنان من المنظمة بدأ بعض الاخوة العرب في السلام على فخامته واحد بعد الآخر.
تقدمت مع (اللخمة) وسلمت عليه ووقفت لأقول له إننا سوف نجتمع في مقهى الأيام السعيدة إذا أحببت ان تنضم إلينا ولكني فوجئت بمن يدفعني عنه، أما هو فلم يلق على وجهي أي نظرة ولا أظن أنه شعر أني سلمت عليه كان منتفخا اكثر من قربة، عرفت بعد ذلك ان معظم الذين قاموا بالتشرف بالسلام عليه هم مجموعة من المنتفعين من أبناء الشعب الفلسطيني، واستدخلنا كأخويا معهم.
هذه ليست التجربة الوحيدة مع بعض المثقفين العرب، الشيء الذي بدأت أعرفه منذ ذلك الحين ان مثل هذا التصرف هو جزء من تكوين الأسطورة في الثقافة، ان تتصرف بطقوس سيادية تملي على الآخر الإحساس بالولاء لك، وخصوصا ان الوسط الثقافي والإعلامي في العالم العربي مليء بعديمي الموهبة، على استعداد أن يجودوا بأنفهسم ليصبحوا من مريدي هذا المثقف أو ذاك ثم يدفعون به حتى يصل إلى رتبة صنم أول.
أرجو ألا يغضب مني محبو محمود درويش كما غضب مني عشاق فيروز فهذا من هذا، وكلاهما من لغو الصيف.
فاكس 4702164 |