كنت أقرأ قصائد الشاعر الكبير محمود غنيم، التي كانت تنشرها مجلة الرسالة، لصاحبها الأستاذ أحمد حسن الزيات، في بداية حياتي الأدبية .. وبعد سنوات، وقد استطعت شراء مجموعة الرسالة، وجدت في أحد أعدادها قصيدة رائعة، من روائع شاعرنا المجيد رحمه الله، عنوانها: «مناجاة الهلال» .. صاغها الشاعر من روحه ورؤاه وخياله الخصيب، وذلك بمناسبة قيام الحرب الكونية الثانية، فقرأتها وأعجبت بها، وحفظت بعض أبياتها وهي قصيدة طويلة، استهلها الشاعر الملهم، هذا الاستهلال الجميل:
ماذا وراءك مرحبا بك عاما رُحماك إن الكون في الدم عاما |
هكذا بدأ الشاعر مناجاته للهلال، وهو يتطلع إليه، ويسأله، ماذا يحدث في هذه الدنيا المضطربة التي بدأت تحترق، بظلم الإنسان وطغيانه وجبروته وجنونه، الذي لا يبقى ولا يذر، إنه يدمر الحياة ومن فيها، بدل أن يعمرها، ويجد في اكتشافات ما تخفف عن الإنسان معاناته وآلامه وأسقامه! لكنَّ الإنسان ظلوم كفّار.!ويمضي الشاعر الماهر يصوغ من الكلمات هذا الجمال التعبيري، رغم أنه يتحدث عن أرض تحترق وإنسانها يُطحن ويباد.!
ما بال ظهرك يا هلال مقوّسا أحملت أعباء السنين جساما؟ هم شبّهوك بمنجل من فضة ماذا حصدت، أتحصد الأياما؟ |
ويمضي الشاعر في هذا الخطاب الرائع والتشبيه البديع الأخاذ، ولو كانت هذه الزاوية تحتمل الإطالة، لقدمت المزيد من هذه اللآلئ الفريدة، التي صيغت قبل أكثر من ستين سنة.! ولقد كنت أتأمل البيت التالي مليّاً، وانه لخليق بذلك، ولعل الشاعر كان حزيناً لحال الأمة العربية والإسلامية، فقال:
فتشت في عهد الضياء فلم أجد إلا شعوباً تشبه الأنعاما |
وفي عام 1969م، حج الشاعر إلى البيت الحرام، ولم نعلم به إلا بعدما غادر البلاد السعودية، والعجيب أنني عرفت أنه نزل في فندق قصر قريش بحارة الشام، وكنت يومها أتردد على شيخنا الراحل حسونة البسطي ، وربما لو رأيت الشاعر ما عرفته .. وأسفت لأني لم ألقه، ولم يره أدباء بلادي، ليحتفوا به ويأنسوا بأحاديثه وشعره الذي قرؤوه في الرسالة منذ بزغ نجم الشاعر الكبير.!
واليوم يتجدد الحديث عن الشاعر الكبير الراحل، وتمتد الصلة، بعد هذا التواصل الكريم من الدكتور عزيز محمود غنيم .. وإنني لسعيد بهذه البنوة البرة، التي تعنى بآثار الوالد الراحل، وتتابع ما يكتب عنه، وتتواصل مع المهتمين بهذا الأدب الباقي، فبورك في هذا الخلف المبارك، مثل الدكتور أحمد علي الجارم، والدكتور عزيز محمود غنيم .. أرجو الله أن يبارك فيهما ويكثر من أمثالهما، ويحسن إليهما، لأنهما باران بأبويهما وأصدقائهما ومن يحبون، ومن يحبهم.
|