في لجة الحضور ومن خلال الضوضاء المصاحبة لهم، كان شارد الذهن بعيداً عن جو الفرح الذي يعيشه الجميع، تتراقص في رأسه أفكار كثيرة..!!؟ عجب من حالته.. حاول ان يستجمع قواه العقلية ليرسم حدود التفكير..! أراد الخروج من سيطرة تلك الفكرة العجيبة التي لم تنهها حتى هذه الضوضاء.. لكن..! لم يجد في الحاضرين من يبث له تلك الهموم، الجميع سادر في الضحكات والقفشات فيما بينهم.. فكر في القيام ليبادرهم في حديث ما.. لكن .. الأدب.. الذي يحمله يمنعه من... (لا يجب ان أقطع حديثهم..).
فكر في دعوة أحد الذين يمرون من امامه..!! (لا يمكن ان أجبر أحدا على الجلوس معي.. قد أكون لا أجيد النقاش.. أو لا يعجبه حديثي).. يداه ترسم خارطة التفكير... (إن معلوماتي الثقافية عالية حسب ما يقولون..!) التفت بسرعة..!! أصلح من هندامه وهو يلتقط كلمات من الذين كانوا بجواره.. كثرة الموتى هذه الايام.. الحوادث.. كثرة السيارات... السرعة... المراهقين... رجع الى زحمة الذاكرة...! وقفت نبضات قلبه عند بيت القصيد.. حسبما يراه!! كيف أن شبح الموت يجلس بجانبه عند قيادة السيارة...!! تذكر هذا عندما سمع حوار الجالسين بجانبه.. استعاذ بالله من الشيطان .. كثيراً ما حدثته نفسه عن الموت وما بعد الموت..!! رأى حالته تلك وذلك الموقف عندما يدلف باب الصمت..!!
حالة من شيعوه .. كيف يراها..؟ ما هي حالة المحيطين به بعدما دلف هذا الباب..؟!
.. استجمع بعض الرؤى والحوارات.. التي يراها ماثلة امامه..!! خلف باب الصمت اجتاحته الأسئلة، وبعض الحوارات التي لم يستطع التقاطها لكثرة من شيعوه... - (لقد كان شخصية فذة لم تعرف قيمتها..) (رحمه الله كان ذا علم واسع) (لم يجرب نفسه بالتجارة) كفى.. كفى.. أين أنتم حينما ركنتم ولم تستخرجوا تلك الافكار من رأسي...!! لقد صدأت عندما وقفتم دون خروجها.. ولم تتيحوا لي المجال للحديث..!! اذهبوا وفتشوا عن القراطيس في مكتبتي حتى تعرفوا حجم المعاناة النفسية التي تبنيتموها وتبناها المجتمع.. وتباركها المصالح الذاتية..!!
استجمعوا الذكريات عني والبسوا ثيابي لتروني ثانية عبر المعاناة سوف تتفاجأون بها..!! نعم.. إني أراكم الآن بعدما دلفت باب الصمت.. شخصي تلوكه الألسن.. الدعاء لن ينقطع .. ما دامت الجنازة عبر الرؤى.. سأمر كالأحلام في الأيام اللاحقة.. ستذكرونني عندما تلوح لكم بقاياي التي تدب بينكم..!!
أيها اللاهثون... اجمعوا لحظات الانطواء التي كانت تجتاحني وأنتم سادرون في الضحك..!! لملموا بقايا خجلي الذي ذاب تحت أقدامكم...
أيها الواقفون خلف باب الصمت..!! تذرفون الدموع.. في لحظات الوداع..!؟ فاشرقوا بالدمع ان شئتم.. اركنوا الى تلك المناديل الحانية التي طالما مسحت أجفاني...! ولكن.. هل تلهبكم هذه الدموع التي تسيل..!!
استبيحوا الصمت.. واحفروا في معاناتي.. كي تنبشوا صفحات العمر.. عبر شظايا الأسئلة..!!
دثروا تلك الذكريات عني ببقايا الحب التي لم أرها منكم الا لماما.. وعند المصلحة..!! ابحثوا عن أحرفي التي ضاعت في ظلام الليل بحثا عن بياض الأوراق..!! لترسم صوراً قاتمة عن سواد القلوب..!!
أيها الواجمون.. لربما تقرؤون حروفي المكتوبة على بياض اللفافة.. ورسالتي الأخيرة..!!
.. ابحوثا عن زلاتكم.. واستبيحوا العذر ممن حولكم قبل ان يدلفوا الباب مثلي..!! وقبل أن تدلفوا أنتم باب الصمت .. فرادى..!!
قطع عليه تفكيره ..!! ذلك الذي كان بجانبه حينما وقف على صوت الداعي للدخول الى صالة الطعام.. سمع صوت الضجيج .. نظر بسرعة الى هندامه..!!
رمى بأطراف المشلح الذي يلبسه وكأنه يرمي عنه ذلك الكفن بعدما تركه للجميع يقرؤون تفاصيل معاناته.. هب واقفا حينما رأى الجميع يمشون زرافات كأنهم ذلك الكفن.. مشى معهم ليقرأ ما كتب على بياض اللفافة....!!
جلس على طاولة الطعام.. رمق من حوله بنظرة سريعة.. حاول تخفيف حدة الارتباك.. تناول كأس الماء...!! كسر حاجز الصمت المطبق على الطاولة.. بذلك الرد البارد على ما قال له.. (فرصة الأفراح تلتقي بمن يغلقون باب الدنيا على حياتهم...) نظرة سريعة كانت كافية للآخرين لقراءة حجم المعضلة..،،،،
الرياض 30/12/1422هـ |