تشير الاحصاءات الرسمية إلى أن عدد البنين والبنات الذين تقدموا لامتحان الثانوية العامة لهذا العام بلغ حوالي 253 ألفاً نجح منهم في الدور الاول حوالي 190 الف طالب وطالبة، كما تشير الاحصاءات إلى أن المقاعد المتاحة للقبول في المؤسسات التعليمية التي تشترط الثانوية العامة تبلغ حوالي 121 الف مقعد مما يعني عدم قبول حوالي 69 الف طالب وطالبة. واذا كنا نعلم بأنه من غير المنطقي قبول الخريجين كافة في مؤسسات التعليم الجامعي خاصة في ظل استمرار حاجة سوق العمل السعودي الملحة إلى خريجي التخصصات المهنية والفنية، فإن الواجب الوطني يقتضي التعامل مع هذا الواقع المخيف بشفافية عالية حتى نستطيع كمجتمع تجنب المخاطر الاجتماعية والاقتصادية والامنية المترتبة على بقاء هذه الاعداد الهائلة عاطلة عن العمل وفي اعتقادي أن المشكلة لا تكمن في عدم قدرة مؤسسات التعليم الجامعي على قبول كافة الخريجين لان معاناة الاسر السعودية مستمرة حتى مع ابنائها من خريجي الجامعات الذين لم يستطيعوا الحصول على فرصة عمل مناسبة.
وبالتالي فإن من المنطقي القول بأن ما يحدث في هذه الايام ليس سوى نتيجة لواقع مر يعاني منه سوق العمل السعودي مما يعني عدم فاعلية أي اجراء يتخذ ما لم يتعامل مع اصل المشكلة لا مع نتائجها. فحتى لو استطاعت المؤسسات التعليمية قبول كافة خريجي وخريجات الثانوية العامة فإن الأمر لن يعني سوى تأجيل مواجهة المشكلة لعدد محدد من السنوات يساوي عدد سنوات المرحلة الدراسية التي تعقب المرحلة الثانوية. ولعل بقاء الكثير من خريجي الجامعات بلا عمل يعطينا الحق في القول بعدم فاعلية زيادة اعداد المقبولين في الجامعات في الحد من هذه المشكلة الوطنية. وعليه فإن اصابع الاتهام يجب أن تتجه بقوة إلى سوق العمل السعودي والجهات الحكومية ذات العلاقة باعتبارها الجهات المعنية بالمشكلة والمسؤولة عن طرح الحلول البديلة لمواجهتها والحد من آثارها المستقبلية. وفي هذا الشأن اشير إلى أن تواجد اكثر من سبعة ملايين عامل اجنبي كفيل بتحديد المشكلة والجهات المعنية عنها إذ لا يمكن تصور مجتمع يحتضن هذه الاعداد الهائلة من العمالة الاجنبية وفي نفس الوقت يعاني من عدم وجود فرص عمل لابنائه وبناته. فعلى الرغم من كون نظام العمل والعمال ينص بصراحة على أن العمل حق مشروع للمواطن السعودي، إلا أن الواقع يقول خلاف ذلك خاصة في ظل تسابق بعض المنتفعين إلى رمي شباب هذا الوطن بعدم الجدية ونقص التدريب وغيرها من التهم الباطلة. كما أن الفهم الخاطئ لمبدأ الحرية الاقتصادية قد ساهم في اقناع بعض المسؤولين بأحقية القطاع الخاص في استقدام ما يشاء من العمالة الاجنبية مما ساهم في ابقاء الشباب السعودي خارج اسوار سوق العمل تحت وطأة البطالة ومؤثراتها المختلفة. والمصيبة الاكبر اننا اصبحنا في ظل هذا الواقع نطالب شبابنا بمنافسة هذه العمالة الوافدة ذات الدخل المنخفض وتكاليف المعيشة المتدنية ونحملهم جزافاً مسؤولية بقائهم بلا عمل وكأننا بذلك نريد فقط تحميل الضحية مسؤولية كونها ضحية. وبالتالي فإن استمرارنا في التركيز على النتائج سيساهم بلا شك في تضخيم المشكلة وزيادة حدة تأثيرها على كافة جوانب حياتنا المختلفة وبشكل خاص على الجانب الامني الذي دائما تقع عليه مسؤولية التعامل مع النتائج. علينا أن نعي بأن زيادة القبول في الجامعات لا تمثل الحل الجذري للمشكلة وإن كانت تساهم في تأجيل مواجهتها كما علينا أن نعي بأن المشكلة تكمن في سوق العمل السعودي الذي هو بيت الداء الحقيقي. فهل نشاهد خطوات صادقة تتعامل مع مكونات المشكلة بجدية وشفافية عالية؟ وهل نشاهد اجراءات صارمة تعطي الاولوية المطلقة للمصلحة الوطنية وتتعامل مع مكامن الخلل دون اكتراث بمصالح المنتفعين؟ نتمنى ذلك.
(*) استاذ الاقتصاد المشارك بكلية الملك فهد الأمنية |