ما أجملها وأكملها، ما أحسنَ قَوامَها الممشوق، وغرَّتَها المشرقة، وخَلْقها المتناسق العجيب...
صَهيلها غناءٌ مطرب، وركْضُها عَزْفٌ مُعجب، وَوَقْعُ حوافرها أَنْغَامٌ ساحرةٌ وغرَّتُها نافذةُ ضوءٍ مفتوحةٌ على واحاتٍ خضراء من الأصالة والشموخ والإباء «الخيل معقودٌ بنواصيها الخير إلى يوم القيامة».
تمرُّ القرون تِلْوَ القرون، ويصنع الناس من الوسائل ما يصنعون، ويخترعون من المراكب ما يخترعون، وتظلُّ السَّوابحُ العاديات، الراكضات المُوريات، رمزاً لبديع خلق الله سبحانه وتعالى، وصورةً من صور الجمال لا يؤثِّر فيها تعاقب الأجيال.
الخيل، وما أدراك ما الخيل، مُتْعَةُ الناظر، وسَلْوَةُ الخاطر، وصلةُ الماضي بالحاضر، ومنبع إلهام الشاعر، حُبُّها يتجدَّد مع مرور الأزمان، وأصالتُها ثابتةٌ برغم تغيُّر الحياة وتطوُّرها.
الخيل، أما يكفي أن الخير معقودٌ بنواصيها، وأنَّ الشموخَ متِّصلٌ بقامتها التي تأنف من الخضوع، وبغرَّتها التي لا تفارق السُّطوع.
إذا ركضَتْ هَشَّ التُّراب لركضها
وتاقت إليها البْيدُ والفَلَواتُ
لغرَّتها نورٌ يبدِّد ما سَجَى
من الليل، حتى تَضْحكَ الظُّلُماتُ
الخيل، أما يكفي أن سورةً من سور كتابنا العظيم، القرآن الكريم، سمِّيت بصفةٍ من صفاتها {وّالًعّادٌيّاتٌ ضّبًحْا} ، قسم من المولى عز وجل بالخيل التي تعدو وهي تضج، أي تُحَمْحِم، وحَمْحَمَةُ الخيل تعني ذلك الصَّوْت الذي ترجِّعه حينما تتوالى أنفاسُها وقت ركضها.
الخيل، أما يكفيها شرفا أنها تظلُّ رمزاً للخير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ولذلك استثنى الشرع الحكيم «المنافسةَ بها في ميادين السباق» من محرَّمات الرِّهان الأخرى، واستثنى العناية بها، والاستمتاع بركوبها، وصهيلها وركضها الجميل من محظورات اللَّهو التي نهى عنها.
تجدَّدت وسائل القتال، وتطوَّرت آليَّاته برَّاً وبحراً وجوَّاً، واستطاع الإنسان المعاصر بإذن الله أن يصنع من وسائل الحروب ما جعل الخيلَ تهجر ميادين القتال، وتصبح وسيلةً للإمتاع من خلال «مضمار السباق» الذي تُجرى فيه منافسات السباق بين الخيول.
واستطاع الإنسان بما يسَّر الله له من الوسائل أن يختصر أزمنة الحروب، وأن يمارس من الاستبداد والاعتداء والهيمنة ما لا يخفى.
ومع ذلك كله فإنَّ الخيل تبقى رمزاً لا يمكن تجاهلُه للميادين، والبطولات القتالية التي تبيِّن الشجاع من الجبان، والبطل المغوار، من المنهزم الخوَّار.
فإذا ذهبنا مذاهبَ بعض الكتَّاب والمفكرين الذين يرون في أحاديث الفتن وأشراط الساعة ما يؤكِّد أن الإنسان يدخل في دوَّامةِ صراع طويل على وجه الأرض ينتهي باستخدام الفرق المتحاربة أسلحة الدَّمار المنتشرة في العالم، حيث تأكل الأسلحة بعضها في سلسلةٍ من الحروب المدمِّرة التي تجبر من يبقى من بني البشر على استخدام وسائل الحرب التقليدية التي تُعَدُّ الخيول أهمَّها، وأكثرها تأثيراً، ولذلك تشير الأحاديث إلى الحرب بين أهل الحق وأهل الباطل في آخر الزمان بالأسلحة التقليدية: الخيول والسيوف والرِّماح، أقول: إذا ذهبنا هذا المذهب فإن المعنى يتضح لنا جلياً من الأثر المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يشير إلى أن الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، وفي هذا دليلٌ واضح على استمرار أهميتها. الخيل.. رمز جميل للبطولة والشموخ جديرٌ بالاهتمام منا نحن المسلمين بالذات حتى لا تنسى أجيالُنا هذا الرمز الكبير، رَمْزَ فتوحاتها التي نشرت الخير في العالمين.
إشارة