Tuesday 2nd July,200210869العددالثلاثاء 21 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

العقلانية الغائبة العقلانية الغائبة
محمد بن علي المحمود / قسم الأدب فرع جامعة الإمام بالقصيم

جماهيرية الخطاب أياً كان هذا الخطاب، تدعو إلى التأمل في لغته، وتشحن الهمم لمحاولة البحث عن أسباب هذه الجماهيرية، ولا شك أن هذه المحاولة لابد أن تنطلق من داخل الخطاب نفسه، ومن لغته بالذات، والذي نحن على يقين منه أن لغة هذا الخطاب وأقصد هنا اللغة في مفهومها الشامل التي يتمدد من خلالها هي أهم أسباب جماهيريته، وأقول: أهم، لأن المتلقي وخلفياته المتباينة، وما يرافق عملية التلقي من عوامل مؤثرة كل ذلك لا يمكن تجاهل أي منه، إذ يؤثر بشكل غير مباشر على طبيعة اللغة عندما يتلاعب بسياقاتها.
والذي يتأمل آليات هذا الخطاب الجماهيري يدرك أنها بالغة التعقيد وعلى درجة عالية من الحساسية وهذا ما يجعل من محاولة تفكيكها في المرحلة الراهنة نوعاً من المجازفة العلمية والأدبية. ومصدر التعقيد فيها ليس صعوبة لغة الخطاب أو مراوغته أو تماهيه مع خطابات نجهل مكوناتها وامتداداتها وإنما مصدره أن القراءة الكاشفة هي التي تتناول الخطاب من خلال أبعاده الثلاثة: المنتِج، المنتَج والمستهلك، وهذا ما لا يمكن القيام به بدرجة مُرضية في سياقاتنا السوسيولوجية الراهنة، إذ سيحتك هذا العمل حتماً بتلك الدرجة الالية من الحساسية تجاه النقد، الذي هو أي النقد من مستلزمات التفكيك وهذا ما نحاول مباينته ولو إلى حين.
وإذا كان مثل هذا الإشكال يحول بيننا وبين التناول الذي نطمح إليه، فإننا سنحاول الإمساك كنوع من المقاربة الحذرة، بما نعتبره قاسماً مشتركاً بين الإنتاج والاستهلاك، هذا القاسم الذي نؤمل أن يكشف عن الأبعاد غير المرئية، الكامنة وراء الكثير من أزماتنا السلوكية، التي تطفح على سطح بياناتنا وممارساتنا، بين الحين والآخر، فما نملك تجاهها إلا الذهول والاستغراب من بدائيتها المستفزة لكل أنساق الحضارة، ومن لا عقلانيتها المعادية - بصراحة - لكل ماهو عقلاني.
إننا لا نستغرب - وإن كنا نستنكر- صدور أنواع من السلوك- بما فيها السلوك اللغوي- اللاحضاري، تفرزها تلقائياً أخلاط اجتماعية، مازالت تستعصي - بل وتتأبى- على الانصهار في مجتمع متجانس، وهو أهم شروط قيام المجتمعات الفاعلة، التي تحتضن ديناميكيتها الدافعة بها إلى الأمام، لا الديناميكية المضطربة التي توهن القوى المحركة «التقدمية»، في المجتمع، مما ينتج عنه انتكاسة- إن لم يكن انتكاسات- إلى الوراء، ونحن إذ لا نستغرب استمرار المجتمع في إفرازاته تلك، فإننا يمضنا أنها ليست إفرازات فردية غير مسؤولة لا ينتظمها خطاب موحد، ولو أنها كانت كذلك، لما احتجنا إلى قراءتها قراءة ناقدة، تحاول الكشف عن الخلفيات المحركة لها.
إن هذا الخطاب - بوصفه نتاجا- ينتسب إلى منتج يمتلك منظومة فكرية وسلوكية متشابكة ومتداخلة، تتسم - سواء من حيث الخلفيات أو التجليات- برؤية أحادية قاطعة، ولهذا فهي تعالج الأحداث والأفكار وفق هذه الرؤية الدوغمائية التي تفترض اللا خلاف في ماهو محل خلاف، وتريد توحيد الرؤى - قسراً- في رؤية الأبعاد اللا مرئية لكل حدث أو فكرة، تنداح في الساحة من وقت لآخر، ومن ثم فهي تريد الاتفاق على ما يستحيل- في الواقع- الاتفاق عليه، بل على ما يعد تعدد الرؤى فيه أمراً طبعياً، هذا إذا أريد لثقافتنا ومن ثم مجتمعاتنا على المدى القريب والبعيد أن تحمل في خلاياها مظاهر صحية تعد بغد أفضل، لا مظاهر مرضية تنبئ، بمستقبل معتم، يكرس - إذا تفاءلنا!- بؤسنا الثقافي والمجتمعي، مما سيترتب عليه إعادة إنتاج أزماتنا الراهنة، التي ننوء بها.
هذا إن لم يعد بسبب طبيعته «أي الخطاب المكرس»، الماضوية المتجذرة فيه - إنتاج إشكاليات الماضي التي أنهكت مخلفاتها قوانا، وجففت رواسبها عروق الإبداع في مخيلاتنا وزلقت بنا خارج أزمنتنا بصورة أصبحت معها دراساتنا الأكاديمية في أكثر الأحيان شهادة علينا لا لنا لإيغالها في سراديب الماضي السحيق، لا بغية اكتشافه وامتلاكه ولكن للعيش فيه كأحد أطرافه والتماهي مع صراعاته على نحو أشد عنفا مما كان عليه أصحاب الإشكاليات المنقرضة وهذا ما يرشح لمستقبل مخوف.
وإذا كانت هذه ملامح الآلية المنتجة للخطاب الجماهيري فإن ذات الخطاب يمارس عن حسن نية في الغالب مغالطات مفضوحة ما كانت لتفعل فعلها لولا التركيبة المتواضعة لعقلية المتلقي، إذ يوهم - للجاهل ومن في حكمه- بالإجرائية العلمية بينما المقدمات تنافر النتائج والأسباب تتنكر لمسبباتها والأدلة تتسع للعموم ووجه الاستدلال غائب أو غائم، والتأويل الذي يجري الخطاب به - المطروح- هو التأويل الوحيد «المعلن»، مع تغييب كامل للرؤى المغايرة أياً كان مصدرها مادامت لا تخدم غائية الخطاب حتى ما كان منها راجحاً، فيقدم المرجوح على الراجح، في ظل مراوغة استدلالية تنطق لمن كان له قلب بما وراءها.
وإذا كانت المغالطات المشار إليها تتصدر خطابا يطرح نفسه بوصفه المناوئ لمثل هذه الممارسات فليس غريبا عليه أن يجيش التداعيات النفسية الناتجة عن وجود تماس ولو كان وهماً بين نص وفكرة بل قد يشحن الخطاب بالنصوص مع انعدام الحاجة الاستدلالية لا لشيء إلا لأجل التعبئة النفسية التي لا يكتفى فيها بالمؤثرات الصوتية المفتعلة بل توجه زوايا الرؤية لتلتقط الحدث أو الفكرة بطريقة تعزز تلك التداعيات في نفسية المخاطب.
إن هذا المخاطب «المتلقي»، هو الإشكالية الأولى والأخطر في هذا الخطاب، مع أن الفاعل - كما يبدو لغير المتأمل- هو مظنة الإشكال.
ولكن مهما تمددت دائرة الشريحة المنتجة «القائل»، لهذا الخطاب فإنها - نسبة إلى الجماهير المستهلكة - تبقى شريحة من مجتمع، وليست مجتمعاً بكامله، وهذا ما يجعل من قراءة المستهلك «الجماهير»، أكثر فاعلية لمرتاد الخطاب، وأدق معيارية في قياس مستويات التقدم الحضاري في كافة تجلياته.
إن المستهلك ما كان ليهضم هذا النوع من الخطاب لو لم يكن وافق منه شهية مفتوحة ولبى حاجاته النفسية والفكرية، بل وأحس أنه يقول ما يريد- هو- قوله. ومن هنا يعتبر هذا المستهلك «الجماهير»، منتجاً على حال من الأحوال لأنه لو استطاع لقال ما قيل، وهنا تكمن الدلالات المحزنة، إذ تصبح هذه الممارسات اللاحضارية ممارسة أمة، لا ممارسة فئة، تخطئ وتصيب. إنها غوغائية الاستهلاك «الجماهيري»، التي تكشف عن غوغائية كامنة في التفكير.
وإنه لمن المخيب للآمال أننا بمثل هذا النمط من التفكير، المشبع بالتصورات البدائية نتقدم واثقين! لحل قضايانا، صغيرها وكبيرها.
إن هذه الجماهير ماهي إلا مجتمعات متدثرة بعباءة السكون، مطمئنة إلى رقادها الطويل، لا يوقظها منه إلا المنعطفات الحادة، التي تجبرها على بذل شيء من الانتباه الذي لم تتعود عليه وليس لديها استعداد- وربما اقتدار ذاتي- للتعامل معه، في مدى زمني طويل، ولهذا نجدها تتسم بالاضطراب عندما تضطر إلى تلك المنعطفات، وتأخذها المفاجآت بعيدا عن مساراتها، فتكون العشوائية الحائرة هي الموجهة لها. ولأن رهاب المفاجأة يستبد بها، استمرأت - ومن ثم حبذت- أن يُفكر عنها لا أن تفكّر، أو على أحسن الأحوال أن تتقدم بحلولها الجاهزة لأنها ارتضت الثبات على ما تألف، هروباً من مشقة البحث عن حلول مستحدثة للطارئ والمستجد، ولهذا نجدها قد صاغت ذواتها المتناغمة في امتثالية صارمة، لتكون قادرة على التعامل مع الثبات، إذ لم تعد قادرة على التعامل مع التطور.
فغيبت الفردية فيها، كي لا تفجعها بين وقت وآخر بممارسات تكتيكية ترتئيها- أي الفردية -، لم تدر لها بخلد. ومن ثم فهي تطالب باتحاد العملية التكتيكية بين أفرادها، مع أن من طبيعة الأفراد «الفردية»، التفرد في الرؤية، والابتكار في الممارسة. وإذا كان هذا شأنها في التكتيك فلا شك أن شأنها في الاستراتيجات أكثر تأزماً.
من هنا ندرك أن هذا الخطاب قائلاً ومقولاً ومقولاً له - ينطوي على عيوب متنامية تشل قدرته على الفاعلية الإيجابية ولو تأملنا سماته العامة، لوجدنا الغالب عليه الضيق بالمخالف والانزعاج المرضي من النقد وعدم الاعتراف بحق الآخر، وغياب التوجهات المستقبلية، وازدراء الفردية واللاواقعية الزمانية والمكانية والانطلاق من الأبعاد الأحادية، والاستعداد للوقوع تحت المؤثر النفسي، وتهميش الموضوعية العلمية في التناول وضمور الروح الابتكارية وهجر أدبيات الحوار، ولزوم ما لا يلزم حيال التنوع في المصادر الثقافية والارتياب في دعوات المراجعة وأخيرا محاكمة مقولات الآخر بفرضيات قراءات الأنا.
إن كل هذه السمات ما هي إلا مفردات دالة ينبغي النظر إليها بوصفها أعراض مرض لا مرضاً، يجمعها - على تباينها في الظاهر- مرض عضال، صدرت عنه، لا ينفع - عند مداواته- التعامل مع أعراضه فحسب، وإنما ينبغي التوجه - بتصميم كتصميم المداوي- تلقاء علة العلل، هذه العلة التي - بإهمالها- تصبح كل محاولات العلاج - المتفانية- ضرباً من خداع الذات، ومظهراً من مظاهر التعلق الطفولي بالآمال الكاذبة.
إن هذه العلة التي صدرت عنها جميع إشكالياتنا، هي ما يمكن أن نعده «قاسماً مشتركاً»، تلتقي فيه الخيوط المتداخلة لكل هذه الإشكاليات، وهذا «القاسم المشترك»، لم يكن - فيما أرى- غير غياب العقلانية، كنتيجة - حتمية- لغياب الدرس الفلسفي في جامعاتنا، فضلاً عن أطروحاتنا العامة، حتى أصبح طرح «العقل»، بوصفه عاملاً مبرمجاً لحياتنا الثقافية، ومن ثم حياتنا العامة، يؤرق الخطاب الجماهيري، ويبعث فيه الارتياب. ولهذا تصدى للتشكيك في قيم العقل، وامتاح من تاريخه ومن الآخر «الغرب»، ما يناهضه فاستعار أطروحات مجتمعات متخمة بالعقلانية، لمجتمع يعاني من الافتقار الحاد إليها.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved