لمّا نزل نقرأ بين الحين والآخر نقداً ايجابياً او سلبياً، يوثق لشائعات مغرضة عن مشاريعنا الوطنية. تطلق عن مكيدة واعية، او عن غفلة معتقة. فتارة توصف المشاريع بالجشع والاستغلال والغلاء، واخرى يتهم ذووها بالتعدي على المراعي والشواطئ واستنزاف الثروة المائية، وثالثة يفترى عليهم الدخول في مزاد «منديل ام كلثوم» او «فستان سعاد حسني»، ورابعة ينال المغرضون من سلامة المنتجاة، فهي اما: مشتملة على مادة خنزيرية جريدة «الاتحاد الاماراتية» او مسببة للسرطان، او مدعومة بالهرمونات المضرة بالصحة. والكتبة المتعجلون يزلقون الصحافة المتأنية بانفعالهم، او بافتعالهم، وعدم ترويهم، فبعضهم كالراوي «الصدوق» الذي لا يفتعل الكذب، ولكنه لا يحترس من الرواية عن الكذابين، والعداوة المفتعلة، والشحناء المصطنعة بين طبقة الكادحين والاغنياء، بقية من بقايا الماركسية، التي افلحت بمساواة الناس في الفقر، وفي تعميق العداوة والبغضاء بين اصحاب رؤوس الاموال المستثمرين والعمال والمستهلكين، وذلك بتكريس مفهوم الطبقية، والاستغلال، والتسلط، وامتصاص جهود الكادحين، وحين ولت الماركسية الادبار، تركت في معاطنها بقية من اثر السوء. والتناوش بين مصادر الانتاج والمستهلكين يصاب بهذا الدخن، وكل من ناصب الاثرياء العداوة دونما سبب، فهو اما: حاسد غير كظيم، او منافس غير شريف، او مصاب بدخن الماركسية البغيضة، عن وعي مكتوم او جهل معلوم. والخائضون اللاعبون في اعراض الاثرياء المستقيمين على الطريقة، يحبطون، ويخذلون، ولا يزيدون الناصحين الا خبالا، يحرم الوطن من المال والخبرة. والاعمال الروائية والقصصية، زمن المد الشيوعي، تفيض بسخرية مرة، واستهزاء مسف، واستعداء سافر لا يصيب الذين ظلموا خاصة والذين تلمسوا شخصية «المتدين» او «الثري» من النقاد والدارسين في مثل هذه الاعمال، يصدمهم التجني الظالم، والوقيعة المرة، ولسنا نعدم بين الحين والآخر في المجالس وعلى صفحات الصحف ترويجاً للشائعات المغرضة، تحركها الاهواء والضغائن، وكأن الاغنياء لصوص، تسلقوا على الناس بيوتهم، او عصابات كسرت خزائنهم، وما عرفوا ان الحكمة الالهية قضت بتفضيل بعض الناس على بعض، وجعلت بعضهم لبعض سخريا، والجميع في النهاية خادم ومخدوم، كما يقول الشاعر:
«الناس للناس من بدو وحاضرة بعض لبعض وإن لم يشعروا خدم» |
والتفاضل سنة كونية ماضية، وسيبقى الاكرم عند الله الاتقى. والاسلام المؤاخي بين الاغنياء والفقراء، ينهى عن حسد ذوي الفضل. وفقراء الصحابة رضوان الله عليهم، لم يمتعضوا، لأنهم فقراء، وإنما استاؤوا لأن اهل الدثور ذهبوا بالاجور، يصلون كما يصلي الفقراء، ويصومون كما يصومون، ويتصدقون بفضول اموالهم، فيما لا يجد الفقراء ما يتصدقون به. وحينما صرف الرسول صلى الله عليه وسلم أنظار الفقراء من الصحابة الى التسبيح والتهليل والتحميد، علم بذلك الاغنياء ففعلوا، وحين اعاد الفقراء شكايتهم، لم يزد الرسول صلى الله عليه وسلم ان قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. فالمال مال الله، يعطيه من يشاء: شاكراً او جاحداً لأنعم الله، محسناً او مسيئاً، كافراً او مسلماً. فالمال الوفير، والجاه العريض، والصحة في الاجسام، والامن في الاوطان، ليست دليل رضا، ولو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة، لما سقى منها الكافر شربة ماء، ولا يقيد النعم الا الشكر، وكم من قرية ظالمة، استدرجها الله بالنعم، وأمهلها بالامن، ثم اخذها اخذ عزيز مقتدر.
والذين بطرت معيشتهم، ولم يرعوا حق الله فيما اعطاهم، يفاجئهم الله بياتاً، وهم نائمون، او يأتيهم البأس ضحى، وهم يلعبون، ولا يأمن مكر الله الا الاخسرون. والسعيد من كان عبداً شاكراً لأنعم ربه، والشكر: قول وعمل {\عًمّلٍوا آلّ دّاوٍودّ شٍكًرْا وّقّلٌيلِ مٌَنً عٌبّادٌيّ پشَّكٍورٍ }. والاغنياء الذين يوظفون اموالهم، وجهودهم، وخبراتهم، لتوفير الامن الغذائي، وإتاحة فرص العمل لإخوانهم، واحياء موات الارض، وعمارتها، واستخراج اثقالها، لا شك انهم من الشاكرين لنعم الله، متى كان كسبهم حلالاً، واكتيالهم ليس فيه تطفيف، وبيعهم ليس فيه غش. ثم انهم بمشاريعهم التنموية يعدون ثروة وطنية، فالنفع لا يخصهم وحدهم، الا اذا كانت اموالهم ارقاماً في البنوك، او ارصدة ربوية في الخارج، وفي آخر تقرير تناقلته الصحف اشار الى حجم المدخرات الهاربة، بحيث تجاوزت «650» ملياراً «الرياض 19/3/1423هـ». والمستثمرون لأموالهم داخل اوطانهم، منعمون متفضلون، لهم حق الحماية والتشجيع، والذب عن سمعتهم، وعن مشاريعهم، وإشعارهم بأهميتهم، وحفظ ساقتهم، ليأمنوا على سمعتهم، واموالهم، ويوفروا طاقاتهم لمضاعفة العمل والانتاج، وذلك بعض شكرهم على افضالهم، وبعض حق الوطن علينا. واذا اشيعت عنهم او عن مشاريعهم قالة السوء، فالواجب التثبت، والتحري، والحيلولة دون تأثير الشائعة على سمعة مشاريعهم، فالقبول بالدعاية السيئة وترويجها، ينعكس اثرها السلبي على الانتاج الوطني، وحين تتعثر المشاريع الوطنية، تختفي رؤوس الاموال الخائفة المترقبة، وتهرب الاموال المترددة بين العمل والهجرة، وانكماش المشاريع القائمة، يخل بالامن الغذائي، وهل هناك اهم من الأمنين: الغذائي، والنفسي، وقد ذكر الله «قريشاً» بنعمتين توجبان العبادة:- الامن من الخوف، والامن الغذائي قال تعالى:{فّلًيّعًبٍدٍوا رّبَّ هّذّا پًبّيًتٌ (3) پَّذٌي أّطًعّمّهٍم مٌَن جٍوعُ وّآمّنّهٍم مٌَنً خّوًفُ }. والتعدي على سمعة المشاريع كالتعدي على ممتلكاتها، وتصفية السمعة لا تقل ضرراً عن تصفية الاجساد، وفوضوية التعامل يحمل اصحاب المشاريع افراداً او شركات على تسريب العاملين، وتصفية المشاريع، والبحث عن اجواء آمنة خارج البلاد، وناتج ذلك ارتفاع نسبة البطالة، والاعتماد على الاستيراد، وفي الهجرة دعم لمشاريع الدول الاجنبية، التي لا تود لنا الاستقلال الكريم، ولا الاستغناء الشريف. والدول التي تعتمد على الاستيراد، تظل محكومة بالحاجة. والاستقلال الحقيقي لا يكون الا بقوتين:
- الاقتصاد القوي.
- والعلم التجريبي.
وحين امر الله الامة بإعداد القوة، اطلق وخصص. اطلق حين قال: {وّأّعٌدٍَوا لّهٍم مَّا \سًتّطّعًتٍم مٌَن قٍوَّةُ}، وخصص حين قال {وّمٌن رٌَبّاطٌ پًخّيًلٌ} ، وقول بعض المفسرين بأن «القوة» الرمي واحد من المعاني، وإلا فالقوة تشمل قوة «العلم» و «الاقتصاد» و«السلاح». والاقتصاد عصب الحياة، وبؤرة التوتر بين الشعوب، فالمصالح حين تتعارض تنشأ العداوة، وقد تتطور، لتصل الى حد الصدام المسلح، وكل هذا يؤكد على اهمية الثروة القومية، ولا تكون كذلك حتى تندلق اقتابها في النجاد والوهاد، في ظل الاجواء الآمنة، ولقد مرت بنا الآيات والنذر، فكم من دول انهارت عملتها، وكسد اقتصادها، دون حرب او تدخل، واخرى تعولمت عملتها وعوّقت وانتعش اقتصادها، فهذه «دبي» بعد الانفتاح، وأسلوب الجذب، وتلك دول شرق آسيا مما يسمى «بالنمور»، وتهافت المشاريع والانكماش الاقتصادي ناتج تحد سافر او سياسة مرتبكة، فالسياسة الحكيمة، والرأي العام الواعي حين يتفاعلان يصنعان العجائب، وليست الثروة ما تملكه الدولة، وليست الارصدة النقدية في الداخل او في الخارج، وانما الثروة ما يقوم على ارض الواقع، من مزارع، ومصانع، وما يتوفر من كفاءات مخلصة فاعلة، وسواعد مدربة، تجد في ارضها الدعم والتشجيع والتسهيلات. والمواطن المخلص الناصح، من يسعى لتنمية ماله، واستثماره في صحاري بلاده، يسد باستثماره حاجة الامة من مأكل ومشرب وملبس ومستعمل. والشعب الغني يعول الدولة، ويدعم اقتصادها، والامة الفقيرة تعولها الدولة، وليس هناك اسوأ من شعب فقير، تعوله دولته، استناداً الى امكانياتها المكتسبة دون تحرف، اوتعويلاً على مساعدات الدول الغنية، وما من دعم الا وله ثمن من الكرامة والحرية. واذا كان من اوجب الواجبات على المواطن مواصلة الدعم لمشاريعه الوطنية فإن على الدولة السعي الدؤوب، لجذب رؤوس الاموال الاجنبية، وتهيئة المناخات المغرية للاستثمار فضلاً عن رؤوس الاموال المحلية.
وواجبنا التوفر على وعي حضاري، يرى ان المصانع والمزارع وكافة المشاريع الانمائية التي تعود ملكيتها للافراد او للشركات، هي ملك للامة، وردء لها، وضعها الله في ايدي الاثرياء او الشركات، وهو سائلهم عن وجوه الكسب، وطرائق الانفاق، ومجالات الاستثمار. والذين يناصبون ذوي الدثور العداوة، ويختلقون الاقاويل عن المشاريع الوطنية دون تثبت، بحجة حماية المستهلك، يقترفون جنايات كثيرة، وبخاصة حين تكون قالة السوء عن مشاريع انتاجية غذائية، كمزارع الحبوب، والنخيل، والفواكه، وكافة الثمار، ومشاريع الدواجن، والالبان، والاسماك، وتربية المواشي. والمشاريع الوطنية في ظل المنافسة الشرسة، وبوادر «العولمة»، والشركات متعددة الجنسيات، وعمليات الاغراق ومشاكل العمالة، وبدائية التسويق، بحاجة ماسة الى الدعم والتشجيع والحماية. ولا سيما ان المشاريع الاجنبية المنافسة، تعمد الى الاختلاق والكذب، للتشكيك في جودة المنتج الوطني، وكفاءة ذويه، وجعل البلاد تعتمد على الاستيراد، والاشد نكاية حين تكون المواجهة باسم الدين، بحيث ينبري الطيبون الورعون او الماكرون المأجورون لترويج فتاوى تحذر او تحرم بغير بصر ولا بصيرة، و لقد سمعنا وقرأنا الاشاعات المغرضة عن مشاريعنا الوطنية، يطلقها المنافسون غير الشرفاء، ويتلقفها الغافلون الابرياء ثم لا تجد من يتصدى لها، ويكشف عن دوافعها، بل ربما نجد من يتلقاها باليمين، وينشرها، عن حسن نية، والمواطنون المخلصون الصادقون حين يغامرون بأموالهم وذممهم وسمعتهم وجهودهم، ويسهمون في دعم الاقتصاد، يودون ان يجدوا المناخات المناسبة، المتمثلة بالتسهيلات الحكومية، والتشجيع الوطني، والحماية المستمرة. واذا لم نسهم في توفير المناخ المناسب، فشلت التجارب، وجبنت الاموال، وتسلل بها اصحابها الى الخارج، مكتفين بالمضاربات الربوية، مسهمين في دعم اقتصاد الاعداء.
ومثلما يتهافت الخليون على الاثارة لذاتها، ويوغلون في النيل من شخصيات بأعيانهم، او من قضايا وظواهر في الفكر والسياسة والدين والأدب، ينالون من شوامخ المشاريع، وقلاع الانتاج، وعباقرة الفكر والاقتصاد، ظنا منهم ان ذلك يفيد المشروع، ويحمي المستهلك، وقد يكون تدافعهم تهالكاً على الاضواء، وذلك ينسيهم ما يترتب على تشكيكهم من اضرار جسيمة، تمس الثروة الوطنية، التي رضي اصحابها في بسطها للمنتفعين، وتوظيفها لتوفير الامن الغذائي، فالمصانع، والمزارع، وسائر المشاريع الانمائية، تعتمد في نجاحها على ثقة المستهلك واطمئنانه، وحماية الدول للمنتج الوطني، ومقاطعة المنتج المستورد.
وحين تشاع قالة السوء عن اثر منتجنا الصحي او عن رداءة جودته، او عن غلاء ثمنه، بغير علم، ينعكس ذلك على علاقة تلك المشاريع بالمستهلك، ومتى اهتزت الثقة، تأثر المشروع، وهبط تسويقه، واحتاج الى زمن طويل لاستعادة الثقة، ورد الاعتبار، وقد تلجأ المشاريع الى قنوات اعلانية، تشاطرها كسبها، وتحملها على رفع الاسعار، لكي تمول الدعاية والاعلان، والثراء الذي يصب في جيوب القنوات الاعلانية مأخوذ من جيوب المستهلكين، ولو ان كافة الاعلاميين والكتاب تحروا الدقة، لأمن الجميع على اموالهم، وخرجت الملايين من خزائنها، ورجعت المليارات من الخارج، وعادت الكفاءات المهاجرة، تستنبط الماء، وتحرث الارض، تزرع وتغرس، وتستقطب الايدي العاملة، وفي ذلك خير كثير.
|