Tuesday 9th July,200210876العددالثلاثاء 28 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

لافتة لافتة
بين القرية والحي سرداً
عبد الحفيظ الشمري

سئل الروائي المصري نجيب محفوظ مؤخراً عن اسباب ابتعاده على الكتابة حول «عالم القرية» فأجاب بأنها خطوة صعبة للغاية.. إذ يرى «محفوظ» أن الانسان مالم يكن قروياً أو من أصل ريفي فلن يستطيع ان يكشف أعماق القرية وأسرارها.. «انتهى حديث الكاتب نجيب محفوظ». وأنا أتأمل حالة الكاتب السعودي والذي يعد ابن قرية، ووليد بيئة ريفية موغلة في عتقها، وقدمها.. أجد هذا المجد العظيم من التراث القروي وللأسف لم يستغل حتى الآن.. إذ هو من جملة الجماليات المسكوت عنها.. تلك التي يتطلب تناولها شجاعة مناسبة لعل هذه الحكايات تأخذ دورها في الظهور الى القارئ الذي يقبل دائما على مثل هذه الأعمال التي تتلمس الجذور، وتوغل في الماضي.
ولنا أن نتأمل حديث الروائي العربي محفوظ فيما يخص جماليات الابداع حول عالم القرية إذ يرى أن هذه الخطوة صعبة للغاية.. فإن لم تكن قروياً أصيلاً فلن تقدم شيئا يذكر..
سيظل الكاتب ان حاول التجرب يخوض في عموميات السماع، والتصور، والمقولات لكن لن يكون له تأثير إبداعي في تناول عوالم القرية فغاية الصعوبة كما يراها كاتب مثل محفوظ هي ان هذه الأسرار التي تختزنها عوالم القرية تندرج في سياق الدفائن الغامضة.. تلك التي ترقد مفاتيحها في ذاكرة انسان الريف أو خلف حكايته المشبعة برائحة الزمان الهادئ، والمكان النائي، فلا يمكن الوصول اليها الا بلغة سردية تستميل الحكاية، وتستدرج المقولات للبوح فيما يعتلج في الذات من هموم الانسان.
مثل القرية تماماً يأتي الحي او الحارة في بعض المدن القديمة لنجد ان الكاتب يستطيع تقديم الصورة الأمثل عن ذلك العالم الذي يأتي أقل غموضاً من عالم القرية إلا إذا كان هناك كاتب متمكن يستطيع ان يجعل من لغة السرد في فضاء المكان «الحي» لغة ممكنة وواقعية تشد القارئ اليها، وتؤسس في الذائقة وجودها.
إلا ان ما يمكن لنا ملاحظته هو ذلك التناول الفج «للحارة».. أو ذلك الانغلاق المأسور الى حكاية سحر أو جان لتحاول ما وسعتك المحاولة تفكيك طلاسمها ومحاولة قراءة عوالمها المغلفة بمثل هذه الهالات والتهويمات المخادعة.
عالم القرية او الحي هو العالم الوحيد الذي لا يمكن ان نلفق له أسرارا غامضة وشخوصا يتعالون على من حولهم باسم شيخ الحي، وعمدة الحارة، وابن العمدة، إنما يظل المجد للحكاية التي تبوح بصدق لتفضح بعض السلبيات التي يمارسها هذا العمدة في القرية، او ذاك الشيخ في الحي والذي يستغل نفوذه المتواضعة للعبث بمقدرات خلق الله.
إذن الكاتب أمام صعوبة ما قاله الروائي الكبير نجيب محفوظ فهل يقدم على تعرية واقع القرية او الحي او الحارة والتعرف عن قرب على أبرز جمالياته وقبحياته..؟ ليتحمل في هذا السبيل جملة من الانتقادات التي تصفه بالتجرد والوضوح المؤذي.. ذلك الذي يلامس حالة السكوت عنه.. ام ترى ان الأمر مجرد عرض لعوالم سطحية تهيل اللغة والأحداث عليها مشروعية الخطاب الروائي الملفق.
لنعود الى القرية بوضوحها، وعفويتها وإلى الحي أو الحارة لنفتش عن عناء الانسان الحقيقي فيها وما يمارسه الرمز المتسيد عليه او ذلك الذي يخلع عليه ألقاباً اخرى من امثال: العم، الحاج، العمدة، البيه، الكبير، الهانم، وشخوص آخرين يفسدون جماليات الأماكن النائية في عوالمها البسيطة.. تلك التي تحمل سر الجمال الحكائي الممكن كتابةً.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved