Tuesday 9th July,200210876العددالثلاثاء 28 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

قصة قصيرة قصة قصيرة
المطر محاولة للانعتاق
طلق المرزوقي

زخات المطر بدأت ودودة تنقر الأرض بتؤدة، قللت من سرعة سيارتي، ورحت أراقب الأرض التي تجردت، وراحت تغتسل بالماء الزلال، فجأة أخذت خيوط الماء تنهمل بسرعة متناهية ابتدأت السماء تنشد معزوفة المطر، الجبال واجمة تنصت في خشوع، والأرض تنصب فخاخها للمطر المنهمر من السماء، خيوط المطر المنهمرة تقرع جسد الأرض بشبق كبير، البدو الذين خبروا الصحراء طويلاً، يقولون ان الماء حين يحضن رمل الصحراء تضج في عروقها الحياة فترتدي حلة خضراء، موشاة بالأحمر، والأصفر، والأخضر، والأبيض، آخرون يصرون على ان الرمل يحبل كالأنثى ثم يلد البسباس، والقراص، والحواء، اللعنة هذه الأسماء تقرع أذني دائما دون ان اعرف شكلها سألت جاري مرة، ما شكل القراص قال:
نبات سيقانه طويلة ونحيلة عند القاع، وفي اسفله تنبت له ازهار مثل اقدام الصبايا، عندما تهب نسمة يميد حيث يتجه الهواء، فرحت كثيراً لهذا الاكتشاف قلت:
لا بد ان الراقصات الشرقيات يعرفن القراص، لابد انهن حين ينقرن بأرجلهن سطح المسرح الصلد يقلدن القراص، نجوى فؤاد تعرف القراص حتماً، تلبستني حالة من الرضى، بدأت الأمور، في ذهني تترابط بمنطقية شديدة.
التفت الى الخارج كانت السيارات تنزلق بخفة على الاسفلت7 الذي تحول الى مرآة صقيلة اخفت سواده، خيل لي ان السيارات تعبر بين سمائي، تذكرت بائع البقالة شيخ جاوز الستين كنت كلما حضرت اليه للتبضع زفر بشدة، وقال:
بلكنة حجازية صرفة «ايه شباب خنثى لا ذكر ولا أنثى» كان يلوك بفمه الأدرد الكلمات طويلاً، قبل ان يقذفها في وجه سامعه، ثم يمط شفتيه محدثاً فرقعة علامة الظفر ، وكنت اغادره حنقاً حتى اني قررت ان لا اعود له مرة اخرى، اللعنة من الذي جعلني اتذكر هذا الشيخ الخرف، هززت رأسي محاولاً طرد هذه الخواطر التي داهمتني رغماً عني، ورحت أحدق في المطر الذي ما زال ينهمر، ولكن بوتيرة أقل «الشيخ البقال ما زال ماثلاً في الذاكرة» حدثت نفسي:
هل نحن جيل خنثى؟ ضحكت ببلاهة وتابعت يجب ان نتعلم من المطر ممارسة الرجولة، فهو يقهر محلى الأرض، ويفجر داخلها الحياة، ويستنبت القراص والراقصات الشرقيات يتعلمن من القراص نقر أرض المسرح الصلد بأرجلهن تابعت:
نظرية مقبولة الكل يتعلم من الكل، شعرت بالبرد يتسلل الى جسدي، سحبت طرف الفروة التي كنت ارتديها اوثقتها حول كتفي، تذكرت مقولة يرددها البدو دائما «المطر ينحر البرد من الوريد الى الوريد» لكن البرد ما زال يعربد داخلي غريب امر هؤلاء البدو، يفلسفون الاشياء بطريقة مقنعة، ربما هي طريقة للانتصار على الهزائم، زفرت اوووه كيف انتصر على هزائمي!! البقال العجوز ما زال يمط شفتيه النتنتين في الذاكرة، يذكرني دائما بالهزيمة، نعم نحن جيل الهزيمة، لا بد ان نعترف، البرد ما زال يمارس صلفه داخلي فأشعر بالعجز.أنفاسي الباردة أخذت تتكثف على زجاج السيارة، رحت أراقبها بتؤدة أضفت على الزجاج غلالة شفافة، بدأت الأشياء من خلالها ساحرة، رأيت على الزجاج جموع الناس انتظموا في طابور طويل وأخذوا يرقصون، متحللين من وقارهم الزائف، رأيت رجلاً نحيلا يقف امامهم، اخذ يلوح لهم بيده ويصرخ فيهم، نزل فجأة الى الأرض ثم قفز الى الأعلى، وتشبث بخيط الماء الصاعد الى السماء، كلهم فعلوا مثله تشبثوا بخيوط الماء، وأخذوا يصعدون الى الأعلى، خمنت انهم تحللوا من اثقالهم، بدا لي الأمر مدهشاً، كيف انتصروا على قانون الجاذبية؟ وميض أزرق داهم مقصورة القيادة، وحاصرني، وأخذ يلتمع كالبرق على الزجاج تمدد على الزجاج الأمامي فمسح الاشخاص الذين كانوا يصعدون على خيوط المطر، مساحهم جميعاً، قطع عليّ لذة متابعتهم.
استمر الوميض عرفت ان الشرطة تطلب مني الوقوف لكني امعنت في تجاهلها، كنت اسير بسرعة منخفضة، لأن الزجاج كان غائماً، لا يسمح لي برؤية الطريق بوضوح، أطلقت سيارة النجدة منبهاً كأنه عواء مكتوم، لكني تجاهلته، صاح بالميكرفون:
على جنب يا صاحب السيارة الخضراء، ركبت كتف الطريق كان المطر قد توقف تماما اوقفت سيارتي وترجلت ثم وقفت أرمقه وهو قابع في سيارة النجدة، صاح بالميكرفون مرة أخرى «تعال».. اتجهت اليه انزع رجلي من الطريق الموحل وأمشي بتثاقل مصطنع وصلت ثم وقفت قرب باب سيارة النجدة التي ما زال العسكري داخلها باغتني صائحاً:
أنت مجنون تراوغ بالسيارة في الطريق.
قلت مازحاً:
أنفاسي المحمومة لوثت الزجاج بالبخار فحجبت عني الطريق رد بصرامة:
«الرخصة والاستمارة.. عجل..» حاولت ثنيه عن اعطائي مخالفة لكني فشلت، نثرت كل محفوظاتي المدرسية من الاعتذاريات تحت قدمي، لكنه أبى إلا أن يخالفني ناولته الرخصة والاستمارة، مال إلى دفتر المخالفات وأخذ يكتب، ثم ناولني ورقة صفراء، قلبتها بين يدي وتمتمت:
هذه هزيمة جديدة تضاف الى قائمة الهزائم الطويلة، باغتني:
«ويش يقول» قلت لا شيء.. لا شيء أخذ يحدق في أيقنت انه ضبطني متلبساً بالكذب قلت:
شكراً وتراجعت الى الوراء.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved