* عمان عبدالله القاق:
ما زالت أصداء مبادرة الرئيس الامريكي بوش كبيرة في المنطقة العربية وفي دول العالم، لانها لم تلب الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية خاصة انها لم تكن على المستوى المطلوب، والمؤمل فيه من رئيس دولة كبرى، هي اصلاً تدعو للسلام وتؤكد رعايته.
الأمر الذي يثبت ان هذا الخطاب لايعدو اكثر من افكار لشارون رئيس وزراء اسرائيل، حيث عبر عنه احد الكتاب البريطانيين بان هذا الخطاب وهذه الرؤى تمثل رأي شارون الذي ابدى ارتياحه الكبير به.. وطلب من وزرائه عدم اعلان ارتياحهم حتى لايغضب الرئيس الامريكي وبعض القادة الاوروبيين لانه ما كان ليكون هذا الخطاب لو ان شارون نفسه كتبه بهذه الصيغة التي تؤكد انحيازه اللامحدود لاسرائيل.
فهذا الخطاب في رأي كل السياسيين افقد الادارة الامريكية قدرتها ان تكون وسيطا حقيقيا للسلام في المنطقة، الان كلام الرئيس الامريكي لم يتضمن الاليات التي يجد الاقدام عليها بغية ايجاد حل عادل ودائم للمنطقة، بل صب جام غضبه على الرئيس الفلسطيني، وطالب بازاحته من منصبه كزعيم للشعب الفلسطيني والذي جرى انتخابه في عملية ديمقراطية وشفافة حضرها الرئيس الامريكي الاسبق، جيمي كارتر، منذ اربع سنوات، بالاضافة الى اكثر من الفي مراقب عربي واوروبي وامريكي اشادوا بالعملية الانتخابية الديمقراطية.
فاذا كان الرئيس الامريكي يريد تعيين رئيس جديد للسلطة الفلسطينية على غرار حامد قرضاي او على شكل بعض الرؤساء في امريكا الوسطى، فانه واهم تماما لان الشعب الفلسطيني يعرف كيف يختار رؤساءه وقادته ويعرف معنى الديمقراطية، ومن يدافع عن قضاياه القومية، ومن هم المنحازون الى اسرائيل، والذين يريدون ترويج سياستهم، خاصة وان الولايات المتحدة الامريكية هي الدولة الاولى التي اعترفت باسرائيل في عام 1948، بعد خمس دقائق من اعلانها؟!
فكيف يمكن لهذه الادارة الامريكية الراعية للسلام ان تحقق الامن والامان للشعب الفلسطيني الاعزل.. وهي تغمض عينها عن المذابح والدمار والتنكيل، بالاطفال والنساء في الاراضي الفلسطينية وبشكل يومي تحت سمع وبصر الرئيس الامريكي وكذلك الدول المحبة للسلام.هل هذا هو دليل لسياسة امريكا.. والتي هي امتداد لسياسة خارجية كان العنف فيها كما يقول نعوم تشومسكي في كتابه الاخير «ثقافة الارهاب الدولي» ليس مجرد وسيلة بل يعتبر عنصرا اساسيا وجوهريا في اساليب ممارساتها.. وهي تقوم على الارهاب المتطور.. باسم الحرية وحقوق الانسان والشرعية الدولية؟!
لقد كان خطاب بوش اشبه بالصاعقة على الشعب الفلسطيني وعلى الامة العربية فبدلا من ان ينصح الرئيس بوش بالدعوة الى تغيير الحكم في اسرائيل كما قال الكاتب البريطاني، باترك سيل، في مقاله الاخير، طالب باقصاء الرئيس الفلسطيني من منصبه، وايجاد قيادة بديلة للشعب الفلسطيني وهذا كان مدعاة للسخرية وعدم احترام ارادة الشعوب.. بل كان على الرئيس ان يطلب من حزب العمل الانسحاب من حكومة الوحدة الوطنية الاسرائيلية، كما يطالب بذلك شلومو بن عامي ويوسي بيلين وان يختار خطة غير سياسة شارون التي لاتلحق الا الويلات و الدمار للفلسطينيين والاسرائيليين في المرحلة الحالية.
ويلاحظ من خلال هذه المواقف الامريكية المتناقضة والضغوط الاسرائيلية سواء في امريكا او تل أبيب ان امريكا، اخذت تنحى منحى بعيدا عن «الوسيط المحايد» على الاطلاق، حيث دخل بوش في لعبة شارون التي تنادي بإقصاء القيادة الفلسطينية، ولم يتضمن خطابه الذي طال انتظاره اية كلمة تدين اسرائيل لقيامها باعادة احتلال المدن الفلسطينية.. ولا دعوة للانسحاب الفوري ولم يتضمن جدولا زمنيا معقولا لقيام الدولة الفلسطينية او آلية للتنفيذ، او دعما للشفافية والديمقراطية التي ترغب القيادة الفلسطينية ولا التصورات للحلول النهائية، للصراع مثل القضية الفلسطينية واللاجئين، والمبادرة العربية التي اطلقتها المملكة العربية السعودية وقضية القدس.. فكان الخطاب اشبه «بالفارغ» بدون اي محتوى او مضمون في هذه الظروف الحالية للخروج من المأزق الذي يمر به الفلسطينيون ويهدد المنطقة بالانفجار.
فهذا الخطاب الذي سبقته 27 مسودة قبل اعداده شارك فيها ديك تشيني نائب الرئيس وكوندوليزا رايس رئيس الأمن القومي وكولن باول وزير الخارجية ودونالد رامسفيلد المعروف بانحيازه اللامحدود لاسرائيل حيث اتفق بالنهاية بتحميل المسؤولية للرئيس الفلسطيني عن «الارهاب» واعتبار الرئيس الفلسطيني ليس زعيماً بالامكان عقد اتفاق سلام معه.
ان الولايات المتحدة اذا كانت جادة في رعايتها للعملية السلمية في المنطقة ابان الرئيس الامريكي السابق مطالبة بعدم التدخل في الشأن الفلسطيني بتغيير قيادته واقصاء رموزه بل ان من واجبها اعادة النظر بمواقفها العدائية تجاه الشعب الفلسطيني وقيادته حتى تتحمل هي والدول الاوروبية مسؤوليتها التاريخية في انهاء الاحتلال الاسرائيلي الجاثم على الشعب الفلسطيني واقامة دولته الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف وانهاء سياسة دعم المعتدي والوقوف الى جانبه وتحميل الضحية اسباب المسؤولية عن الاوضاع المتدهورة في المنطقة.
فالمطلوب الآن موقف عربي موحد حيال خطاب الرئيس الامريكي بوش حتى يمكن تحديد الاستراتيجية المقبلة للتحرك العربي عبر لجنة المتابعة خاصة وان مواقف الادارة الامريكية الجديدة المؤيدة لاسرائيل بصورة كبيرة لايمكن ان تحقق السلام في المنطقة بل تزيد من حدة التوترات والانفجارات في الشرق الاوسط، وتحقق المزيد من الاحباطات للفلسطينيين وللشعب العربي الذي ينشد الامن والسلام في المنطقة بعيدا عن الاملاءات والضغوط الامريكية التي لم يستفد منها الشعب الامريكي عبر الاربع والخمسين سنة الماضية سوى الحقد والكراهية التي اسستها حكوماتهم المتعاقبة ضد هذا العالم العربي الذي ينشد الاستقرار والسلام بإعادة الحقوق العربية الى اصحابها الشرعيين واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.
|