Tuesday 9th July,200210876العددالثلاثاء 28 ,ربيع الثاني 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

دفق قلم دفق قلم
بين الترهُّلِ والهُزال
عبدالرحمن صالح العشماوي

صورة تتكرَّر أمامنا آلاف المرات، نراها كل يومٍ رأي العين، صورة جديدة، لأجيال جديدة، تجوب شوارعنا، وتدخل إلى بيوتنا وتخرج منها كلَّ يوم، ترافقنا في حياتنا اليومية، وتصاحبنا في السفر والحضر، إنها صورة أولادنا وهم يحملون في أيديهم علب المشروبات الغازية وأنواع «الشطائر» التي تزدهر بها أسواق المطاعم، يأكلون بنهم، ويشربون بنهم.. يضحكون بأصوات عالية، ويمازح بعضهم بعضاً بالتراشق بما في أيديهم من عُلب «البيبسي والكوكا...»، وبما بقي من الشطائر التي أكلوا معظمها... صورةٌ تعرفها المطاعم والأسواق الكبيرة جيداً، وتعرفها أرصفة الشوارع جيداً، وتعرفها نواصي بعض الشوارع الكبيرة داخل الأحياء جيداً، وتعرفها بيوتنا واستراحاتنا ومتنزَّهاتُنا البرية والبحرية جيداً، ونعرفها نحن الذين نتحدَّث عن أهمية تربية الأجيال جيداً.
هل هي صورةٌ طبيعيةٌ يحسن السكوت عنها؟
لا أشك أن كل عاقل سيقول: كلاَّ، إنها صورة تحتاج إلى مراجعة جادة، وإلى شعور قوي بالخطر... أجسامٌ ترهَّلت تؤكد لنا أن انحصار دور راعي الأسرة في التدجين والتسمين لأولاده أصبح ظاهرةً بارزةً للعيان. هل نحن أيها الأحبة في حالة «عالمية» تسمح لنا بالوقوع في هذا الخطأ التربوي الذي يسيء إلى مجتمعنا ووطننا وإلى الأمة كلِّها. هذه الأعداد الكبيرة من الشباب، والفتيان التي أصبحت مغرمةً بالأكل والشرب واللهو واللَّعب، وإضاعة الوقت فيما لا يفيد، ماذا ستقدم للوطن، وبماذا ستنفع الأمَّة الإسلامية المحتاجة إلى سواعد ابنائها وبناتها القويَّة، وعقولهم السليمة، وأخلاقهم الفاضلة، وإيمانهم القوي بالله سبحانه وتعالى؟؟.
يا لها من صُورٍ محزنةٍ لأجيال تهتم بعلبة البيبسي أضعاف اهتمامها بكتاب نافع، أو برنامج مفيد، يا لها من صور مؤلمة لشباب مسلم يرتشف المشروب الغازيَّ، ويلتقم الشطيرة في لحظة يسمع فيها تكبيرات الإمام وهو يصلي بالناس وكأن هذا التكبير لا يعنيه..
يالها من صورةٍ تُبرز لنا أجساماً أصابها داء الترهُّل والسِّمَن، وعقولاً أصابها داء الهُزال والضعف.
كأني أنظر بعين تأمُّلي إلى صورة نقلها لنا مؤرِّخ قديم عن حالة أبناء المسلمين في الشام والعراق قبل الاجتياح التَّتاري الغاشم، جاء فيها: «مرفَّهون على ضفاف دجلة والفرات، لاهون في حدائق بغداد، في عيشٍ رغيد، وفراش مديد، واجتماع أحبابٍ وأصحاب، جاءتهم التَّتار فوجدتهم كالخراف المسمَّنة لا يقدرون من أمرهم على شيء». إنَّ صورة الشاب المسلم وهو يغرق في بحر طعامه وشرابه غافلاً عما يجري في العالم من حوله لصورةٌ محزنة، لها أَبعادُها الخطيرة جداً التي لا يجوز للمسؤولين على اختلاف مستوياتهم أنْ يغفلوا عنها.
إنها مسؤولية ولي الأمر بالمعنى الواسع لكلمة «ولي الأمر» الذي يشمل الراعي المسؤول عن رعيته، والأب المسؤول عن أسرته، والأم المسؤولة عن بيت زوجها بما فيه ومن فيه، والوزير المسؤول عن وزارته، ورجل الأعمال المسؤول عن مشروعاته التي تستهدف الأسرة والأبناء.
فهل من برامج عملية جادة لعلاج هذه الصورة المهمة؟؟.
إشارة:


كل راعٍ عن الرعيّة مسؤولٌ
فطوبى من كان لله عبدا
كل فعلٍ سيُسأل المرء عنه
إنْ نسينا، فالله أحصاه عَدَّا

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved