«البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وخفت أن يطلع عليه الناس»، هذا هو الضابط العام للسلوك والأخلاق عند رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، والناس في الحديث - بالطبع - هم الأسوياء من البشر لأن الموازين قد تختلف في المجتمعات، وانك لواجد في مجتمعات محسوبة على الإسلام فضائل تنكر ورذائل تستحسن، فقد تسأل عن اتجاه القبلة - مثلاً - في بلد «إسلامي» فترى الحيرة والدهشة بادية في عيون من تسأل، وحين تعرف أن اسمه مسلم تتألم أكثر!
ناهيك عما هو أشد وأنكى من استباحة المحظور واستمراء المقاييس المغلوطة حتى تصبح هي القاعدة والفضيلة استثناء! وأزعم أن الفارق بين النظرية والتطبيق أهم أسباب ما تمر به الأمة من وهن أغرى بها قوى الشر في العالم.
لقد اعتمد العالم المادي المتقدم الآن - أخلاقيات الإسلام سلوكاً وأهمها: الصدق والالتزام والدأب على العمل، فنهضت أممهم على مركب الخلق الإسلامي، بينما في عالمنا الإسلامي تكمن الفجوة بين مثالية النظرية وخطايا التطبيق! وهذا داعية شهير يقول إنه وجد الإسلام في أوروبا دون المسلمين، وفي بلاده وجد المسلمين دون الإسلام. وإذا كان الحديث الشريف جامعاً لمنهج أخلاقي كامل فإن عائشة رضي الله عنها وهي الزوجة الأثيرة عنده قد كثفت أخلاق محمد صلى الله عليه وسلم في قولها «كان خلقه القرآن» والقرآن الكريم - كما هو معلوم - قد حمل إلينا دستوراً أخلاقياً متكاملاً، عني بوضع المنهج السلوكي تفصيلاً حتى أدق أمور الحياة وأبسطها ومن ذلك رد التحية، بشاشة الوجه، ولين الجانب والاستئذان في دخول بيوت الغير وفي الدخول إلى غرف الراحة.
وما وسعه كتاب الله من آداب قد لا تتعلق مباشرة بالبر أو الاثم ولكنها تنظم الحياة الإنسانية بشكل يحقق العدل والحرية..
الحرية الحقيقية التي في الإسلام إخلاص العبودية لله وحده والانفكاك عن كل عبودية أخرى.
وحين ننظر إلى قوله تعالى: {إنَّ پلَّهّ يّأًمٍرٍ بٌالًعّدًلٌ وّالإحًسّانٌ وّإيتّاءٌ ذٌي پًقٍرًبّى" وّيّنًهّى" عّنٌ پًفّحًشّاءٌ وّالًمٍنكّرٌ وّالًبّغًيٌ يّعٌظٍكٍمً لّعّلَّكٍمً تّذّكَّرٍونّ} الآية.. نجد كثافة المعنى في المفردات وضخامته أمراً ونهياً، فهي مفردات شاملة لتفاصيل كثيرة مشحونة بتفسيرات لمواقف حياتية يومية يواجهها كل إنسان وعليه أن يتخذ منها موقفاً وقراراً، وهي موازين عامة من التزم قسطاسها نجح، ومن خسرها فقد أبى أن ينجح، وقد يرى المشرع - جل وعلا - حسماً للتردد الإنساني العاطفي - أن ينبه إلى التزام العدل مطلقاً «ولو كان ذا قربى»، وكذا الإحسان مطلقاً {وّلا تّسًتّوٌي پًحّسّنّةٍ وّلا پسَّيٌَئّةٍ \دًفّعً بٌالَّتٌي هٌيّ أّحًسّنٍ فّإذّا پَّذٌي بّيًنّكّ وّبّيًنّهٍ عّدّاوّةِ كّأّنَّهٍ وّلٌيَِ حّمٌيمِ} ونلاحظ توظيف «كأن» لغرضها المعروف في التشبيه والتمثيل، بحيث يبقى دائماً فارق بين الأصل والصورة.
فإذا نظرنا إلى أخلاق الرسول من خلال أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلم نلاحظ الربط الواضح بين الآية والحديث لتشكيل منهج أخلاقي قرآني التزمه الرسول الكريم في حياته مبدأً ومسلكاً وقد رأينا من القراءات السابقة أمثلة على ذلك.
لقد قدم لنا الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم القدوة مثلاً ونموذجاً للتطبيق العملي لمنهج أخلاقي ومسلكي ارتضاه الله لعباده.. مطلق العباد حتى يرث جل وعلا الأرض ومن عليها، وما أحوج العالم المتأجج اليوم بالمحن والإحن إلى مدارسة هذا النموذج وما أحوجنا نحن لإعادة النظر في مدى ملاءمة مسلكنا للنموذج القدوة، ويجب أن نعترف بالمسافة بين النظرية والتطبيق في عالمنا ومن أجل ذلك يُتهم المنهج وتجد القوى المعادية في أفعال البعض ذريعة ومدخلاً لتشويه سمعتنا وتأليب العالم علينا.
ما أحوجنا إلى إزالة الفجوة بين عظمة هذا الدين ومنعته وبين الضعف البشري الذي يعتورنا.
نعم ما احرانا لإعادة مدارسة سيرة رسولنا العطرة بغية الاقتداء الصحيح وعندما يتم تصحيح الأصل سوف تصحح بالتالي الصورة.
|