عن الوضع الاقتصادي المتردي في إسرائيل، كتبت صحيف «هاآرتس»، في افتتاحيتها تحت عنوان: «درس سياسي من مؤتمر اقتصادي». تقول: كان المؤتمر الذي نظمه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية بالقدس، طبقا للتعريف، حدثا اقتصاديا.
لكن الرسالة الرئيسية التي صدرت عنه كانت سياسية فقد توصل معظم المتحدثين الذين حاولوا تقييم الوضع الاقتصادي وإمكانياته إلى نتيجة واحدة «ليس ثمة فرصة للخروج من حالة الركود العميقة التي وصل إليها الاقتصاد بدون إجراء تغيير جوهري في كل ما يتعلق بالمواجهة العسكرية والسياسية مع الفلسطينيين».
الأكثر من ذلك أنه طالما أن المواجهة مستمرة وتتسبب في تدمير أفرع اقتصادية هامة مثل السياحة وفي جفول المستثمرين الأجانب وفي صعاب في الأسواق الخارجية فإن خطر حدوث تدهور اقتصادي سريع من شأنه أن يؤدي إلى أزمة مالية سيظل قائما.
وقد كان يخيل في بعض الأحيان أن المتحدثين وكأنهم كانوا يتبارون مع بعضهم البعض في التقويم المتشائم وفي غضون ذلك أبديت ملاحظات لم تكن في محلها وتركت مجالا لسوء الفهم.
ولكن بدون هذه الملاحظات أيضا فإن التقويمات التي ترددت في مجملها كانت الأخطر في تاريخ الاقتصاد الإسرائيلي.
وقداكتسبت أهمية خاصة لأنها وردت على لسان أرفع الاقتصاديين في إسرائيل. ومضت الصحيفة تقول: ومن شواهد الأزمة الاقتصادية أنه لم تبرز هذه المرة خلافا لأحداث سابقة في الماضي مواجهات بين ممثلي قطاع الأشغال والدولة أو بين ممثلي الدولة أنفسهم، فقد كان تقييم الموقف لدى الجميع متشابها ولم يكن هناك اختلاف كبير أيضا في استخلاص النتائج. وقد تمثل الأمر بشكل خاص في كلام وزير المالية فقد تبنى «سيلفان شالوم»، خلافا لموقفه المتفائل في بداية شغله للمنصب رؤية واعية بالواقع ويبدو أنه على وشك استخلاص النتائج الصحيحة منها في المجال الاقتصادي على الأقل: كيف يمكن التعامل مع الوضع من أجل تقليل المخاطر والأضرار؟ وستكون إحدى الخطوات الضرورية الأولى تقليص الميزانية، ليس فقط تقليص آخر فى الميزانية الحالية وإنما بوجه خاص في ميزانية 2003م. وبحجم كبير وأحدالمجالات التي سيكون مطلوبا إجراء تقليص بها هو المجال العسكري.
فلن يكون ممكنا الحفاظ على حجم الزيادات التي تلقتها ميزانية الدفاع هذا العام والعام الماضي من أجل التعامل مع النشاط «الإرهابي»، في المناطق الفلسطينية. وسيطالب المسؤولون عن ميزانية الدفاع بتحديد مجالات أقل حيوية وأقل إلحاحا.
سر قوة المستوطنين
وفي جريدة «هاآرتس» أيضا وتحت عنوان: سر قوة المستوطنين، كتب «حنا كيم»، يقول: كان هذا وما يزال أحد الألغاز الكبرى: لماذا لا توجد ترجمة سياسية لحقيقة أن معظم الجمهور الإسرائيلي يؤيد إخلاء المستوطنات؟ولماذا تنساق الدولة طوال سنوات عديدة وراء أكذوبة اليمين التي تقول إن «حيفا»، هي «نابلس»، و«الحديرة»، هي «الخليل» حتى أضحت نبوءة تحقق ذاتها؟ وكيف ينجح «آرئيل شارون»، في انتهاج سياسة مغايرة لرأي الجمهور المستعد للانفصال عن المناطق الفلسطينية؟
من المحتمل أن تكون الإجابة كامنة في آليات القوة السياسة والاقتصادية التي نشأت منذ عام 1967م.
فالمناطق «الضفة وغزة»، ليست موضوعا آيديولوجيا وحسب منذ فترة بعيدة. إن جماعة الضغط التي يشكلها المستوطنون في السياسة الإسرائيلية والقوة الفريدة للقناة السابعة «قناة دينية»، تشبهان قوة الحركة «الكيبوتسية»، في الخمسينيات والستينيات والصحافة الحزبية في الماضي لم يكن أحد يحبهما لكنهما كانتا الرائدتين والمهيمنتين. وقد سبق ونجحت جماعة الضغط التي شكلها المستوطنون في تصعيد وإسقاط بعض رؤساء الحكومات. كما تحولت المناطق الفلسطينية أيضا بمضي السنين إلى «بيزنس»، مزدهر ومنخرط في الاقتصاد. ففى المناطق الصناعية وفي المستوطنات يتم تشغيل مواطني دولة إسرائيل كما تشغل الدولة أكثر من نصف المستوطنين كموظفين عموميين.
إن المناطق اليوم هي مجال ارتزاق اقتصادي يوفر الحلوى لإسرائيل (مصانع «أوبنهايمر»، و«أحفاه»، وغيرهما. والمنتجات الغذائية مصانع «جرنولاه»، و«سوبر كلاس»، و«سلتيه شامير»، وغيرها) ومنتجات الألبان، المشروبات، أدوات التجميل، الأثاث، مواد التنظيف،التغليف، النسيج، الأحذية، البلاستيك، مواد البناء، الكهرباء، الإلكترونيات، الطباعة والمستلزمات الصناعية. واستطرد الكاتب يقول: وفي الوقت الذي تنهار فيه دولة الرفاهية الإسرائيلية فإنه تقوم في المناطق دولة رفاهية لا نظير لها: فدور الحضانة باسعار زهيدة، والفصول الدراسية في رياض الأطفال وفي المدارس صغيرة ونوعية.
وقد اتفق وزير المالية ووزيرة التعليم المختلفان مع بعضهما قبل بضعة أشهر على أمر واحد هو: في العام الدراسي القادم لن يتم تقليص الميزانية المخصصة لليوم الدراسي الطويل وللمشاريع التعليمية الخاصة في المستوطنات ونفس الأمر أيضا في سوق العقارات والأراضي الموجود في أزمة متواصلة باستثناء المستوطنات.
ففي أغسطس من العام الماضي وفي ظل حكومةالوحدة تم تسويق أراض في المستوطنات لبناء 772 وحدة سكنية أي حوالي 73% من مجموع تسويق أراضي البناء في البلاد.
وقد كان من شأن هذه الحركة الاقتصاديةالجبارة دون الأخذ في الاعتبار نفقات الدفاع العالية أن تجعل المستوطنين مكروهين من قبل مواطني دولة إسرائيل وأن تثير المسحوقين والمطحونين منهم.
إن العداوة موجودة ولكنها لا تحظى بالتعبير عنها سياسيا فهل الأمر يتعلق فقط بقوة جماعة ضغط المستوطنين؟
ويجيب الكاتب على هذا التساؤل بقوله: ثمة سبب آخر.
لقد انفصلت بريطانيا عن مستعمرتها في الهند فقط بعد أن تم إدخال إصلاح اجتماعي بها منذ عام 1942م اشتمل على إقامة خدمات صحية قومية وتشريع قوانين تأمين اجتماعية وقانون إعانة قومية وإصلاحات في التعليم.
وبعد ثلاث سنوات من ذلك بدأت بريطانيا في التخلص من المستعمرات بما في ذلك فلسطين، ومن أجل أن نتخلص نحن من المناطق ينبغي على ما يبدو بناء مجتمع مع شبكة تأمين اجتماعي متينة.بمعنى انتهاج سياسة مغايرة للسياسة الاقتصادية المتبعة في العقد الأخير والتي أدت إلى انهيار دولة الرفاهية بداخل الخط الأخضر وتآكل الطبقة الوسطى التي ما تزال منفصلة عن الطبقات الفقيرة وغير مستعدة للدخول في صفقة جديدة معها.
|