* رفحاء - منيف خضير الضوي:
الأمسيات الشعرية ظاهرة بدأت تغزو حفلات الزواج في منطقة الحدود الشمالية، وفي رفحاء تحديداً حيث أُجري هذا التحقيق - الظاهرة في ازدياد لتزاحم الفنون الشعبية التي تزين أعراس وحفلات المنطقة كالعرضة والسامري وشعر المحاورة.. وغيرها .ترى كيف نشأت هذه الأمسيات؟ وما هي عوامل انتشارها؟.. وهل لقصور الأفراح دور في ابرازها للناس؟
والسؤال الأهم: هل ستكون هذه الأمسيات بديلاً مطلوباً عن الفنون المتعارف عليها في المنطقة كالعرضة والسامري؟! كل ذلك وغيره الكثير تطالعونه في هذا التحقيق..
مكانة الشاعر
لا شك أن للشعر مكانة عظيمة في نفوس العرب، ومن هنا اكتسب الشعراء أهميتهم.. في البدء علق الأستاذ سعد بن مبارك الشمري «بكالوريوس لغة عربية» على أهمية وجود الشعر في كل المناسبات العربية فأشار إلى أن القبيلة العربية سابقاً تفرح وتولم الولائم إذا ولد لها شاعر أو ابن شاعر نظراً لأنه سيكون سلاح القبيلة في مواجهة أعدائها، وصوتها الإعلامي الكبير والذي سيرفع من شأنها، كما رفع الحطيئة بني أنف الناقة الذين كان الناس يتقززون من ذكر اسمهم فقال فيهم:
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم فمن يسوي بأنف الناقة الذنبا |
فتطاولت أعناقهم فخراً بهذا البيت الشهير والذي خلد ذكرهم، كما لم تخلدهم الغزوات وولائم الكرم!!
ويشير الشمري أيضاً إلى وجود الشعر في ميادين أخرى قائلاً:
حسان بن ثابت - رضي الله عنه - نافح المشركين بشعره ودافع عن الصحابة والدين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فهو القائل:
عدمنا خيلنا إن لم تروها تثير النقع موعدها كداء |
وقد شجعه الرسول صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال:
أهجهم وروح القدس معك، جرير الشاعر المعروف رفع قدر قبيلته رغم أنها لم تكن كذلك أسوة بقبيلة منافسه التقليدي الفرزدق!!
بل حتى في السنوات القليلة الماضية كان الشاعر سلاح القبيلة الأول في المعارك الطاحنة بين القبائل، وكان الملوك والأمراء والوزراء يقربون الشعراء ويغدقون عليهم العطايا والمكافآت اعترافاً بدورهم في تخليد ذكراهم، كما خلد المتنبي سيف الدولة الحمداني. والناس عموماً يخشون الشاعر، ويتحاشون الصدام معه أو اغضابه أو منعه إن هو تسوّل لأن ذكرهم سيخلد في التاريخ في الصفحات السود كما خلد الحطيئة ذكر الزبرقان بن بدر حينما قال فيه:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي |
وكما خلد المتنبي كافور الاخشيدي بالبيت الشهير:
لا تشترِ العبد إلا والعصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد |
إلى أن قال:
أولى اللئام كوفير بمعذرة عن كل عيب وبعض العذر تفنيد |
وقول جرير هاجياً:
فغض الطرف إنك من نمير فلا كعباً بلغت ولا كلابا |
* الشاعر / بشير اللويش «الراسي» يضيف حول هذا المعنى:
الشعر عند اليونانيين محاكاة للطبيعة ومظهر من مظاهر التطهر الروحي، وعندما اختل النظام الروحي طرد الشعراء من جمهورية أفلاطون، وظلوا مطاردين حتى الساعة!!
والشعر العربي كان مصدر فخر القبيلة حيث كانت تحتفي بالشاعر لأنه كان مستودع أسرارها وعاداتها ورسولها الذي اصطفته السليقة اللغوية ابان المعيار العفوي، مع التواتر الزمني والتطور، تطور الشعر وتطور مفهومه وعبر كالعدّاء أسوار المنطق الكلاسيكي والهروب الرومانسي والصبغة الميتافيزيقية حتى وصل إلى رحاب ترويض الانسان واختزال الحياة بأبعادها الزمنية، فالشعر كما يقول أدونيس هو محاولة دائمة لاستحضار عوالم لم تخلق بعد..
ويرى اللويش ان مكانة الشاعر عرفت تبدلات كثيرة في العقلية العربية حيث يقول: كان رمزاً للقبيلة وناطقها الرسمي تحتفل به في العصر الجاهلي، ومع فجر الإسلام أيضاً إلا أن عهود الدولتين الأموية والعباسية وخاصة عصر الدويلات شهدت تنامياً مروعا لتقاليد المدح والهجاء، ومن هنا ظهرت أحكام الاستهجان والاحتقار للشعر والشعراء، فالجاحظ - مثلاً - أطلق لقب عبيد الشعر فهم اضافة لاهتمامهم بشعرهم عبيد بمفهوم آخر!! ومع ذلك فدورهم يتعاظم في بنية الثقافة العربية عبر تراكماتها التاريخية، وهو القول الذي تعبر عنه المقولة الشهيرة «الشعر ديوان العرب» وقد سّهل هذا تقبل الشعراء وجعلهم في كل وادٍ يهيمون.. ويختتم قائلاً: والسلسلة تتصل وها نحن في مجتمعاتنا المحلية نعترف بالشاعر - ونعتبره وجبة دسمة في كل محفل!!
الأمسيات الشعرية في الأفراح
المتتبع لحفلات الزواج في منطقة الحدود الشمالية، والمناطق المجاورة يلاحظ مؤخراً انتشار ظاهرة الأمسيات الشعرية في حفلات الزواج.. ترى كيف نشأت الأمسيات الشعرية وما هي عوامل انتشارها؟ الشاعر محمد العايد أشار إلى أنها ليست قديمة بل إن نشأتها حديثة والسبب في نشأتها من وجهة نظري هو الروتين الذي طغى على حفلات الزواج فظهرت هذه العادة «والتي تحولت بمرور الأيام إلى ظاهرة مألوفة في حفلات الزواج بالمنطقة» رغبةً في التجديد واضافة نوع آخر من أنواع الفرح في حفلات الزواج.. ولا تنس أن هناك رغبة كبيرة لدى أفراد المجتمع لسماع الشعر.وساعد على انتشار هذه الظاهرة رغبة الناس لسماع الشعر، وحفلات الزواج لدينا هي المتنفس الوحيد الذي يمكن أن يقام من خلاله أمسية شعرية، فلا نشاطات أدبية أو ثقافية تتيح للشعراء ومتذوقي الشعر سماع هذا الفن المحبب لدى أبناء الجزيرة..
* الشاعر مشفي بن حمود الجرواني يؤكد أن عمر الأمسيات الشعرية « من خلال متابعته» حوالي الأربع سنوات تقريباً، وسببه تغيير النمط التقليدي المتبع عادة في حفلات الزواج من عرضة وسامري هرباً من التكرار.. وذلك لانتشار الألوان المفضلة لدى عشاق الشعر في الأمسيات الشعرية تحديداً، مثل الشعر الغزلي والذي له نصيب الأسد بين محبي الشعر، وإن كان هناك من يستمتع بالشعر الاجتماعي والوعظي، والذي هو في نظري أهم ألوان الشعر لأنه يعالج المشكلات الاجتماعية ويؤكد الجرواني أن سبب انتشار هذه الأمسيات في حفلات الزواج وتزايدها يعود لكثرة الشعراء، وتزايد عدد عشاق الشعر وجماهيره، وهذا منح الاستمرارية لهذه الظاهرة.
لن تغني عن العرضة والسامري
الأهازيج الشعبية في كل المناطق ترتبط عادة بالفرح والعرضة والسامري ألوان شهيرة ارتبطت بحفلات الزواج وبمناسبات الأعياد، والاحتفالات.. ولكن ظهور الأمسيات الشعرية هل هدد فعلاً هذه الألوان؟
* أحمد سلمان - محرر بجريدة «عكاظ» - ينفي هذا الاحتمال مشيراً إلى أنها أثرت «هذه الأمسيات» على البريق الذي كانت تحظى به العرضة والسامري والمحاورة.. وغيرها ولكنها لم تسحب البساط منها.
ومن المعلوم أن بداية ظهور الأمسيات الشعرية في حفل الزواج أتى من الدول الخليجية الشقيقة مثل الكويت، حيث انتشرت هذه الظاهرة بعد حرب تحرير الكويت - تحديداً - وجاء التأثير من الكويت إلى المناطق الشمالية من المملكة مثل حفر الباطن ورفحاء وعرعر والجوف.. بحكم القرب الجغرافي من الكويت. ويرى أن الأمسيات الشعرية التي تنظم في حفلات الزواج لا يمكن لها بأي حال من الأحوال أن تلغي الألوان الشعبية القديمة التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بحفلات الزواج مثل العرضة والسامري، والسبب في ذلك يرجع للمنظومة الثقافية لدى المجتمع، فالمجتمع الذي نعيش فيه تغلب عليه القبلية، والمجتمع القبلي يحرص أفراده كل الحرص على العادات والتقاليد، ولعل الألوان الشعبية تعد من أهم التقاليد التي ينبغي الحرص عليها.. ويضيف: ولا يفهم من كلامي أنني ضد اقامة الأمسيات الشعرية في حفلات الزواج، ولكن نطلب أن يكون حضورها محدوداً بحيث لا تستأثر بالحفل كاملاً لأنها لا يمكن أن تقدم ما يتم تقديمه في الألوان الأخرى من متعة وحركة ومتابعة، ووجود بعض الأغراض الشعرية التي تلهب المشاعر ويرتبط بها بعض أفراد المجتمع باعتبارها ارثاً ثقافياً يصعب الفكاك منه، ففي مصر على سبيل المثال - بعض الفنون والرقصات والألعاب الشعبية والتي تعود إلى عهود الفراعنة لا تزال مستمرة حتى وقتنا الحاضر، وهذا يدل دلالة كاملة على أهمية هذه الألوان في نظر الشعوب..
* أحد المهتمين بالأمسيات الشعرية مرسال بن مطلق الشمري يؤكد أن الأمسيات الشعرية لا يمكن أن تكون بديلة للعرضة والسامري وغيرها من الفنون الشعرية التي ألفها الناس في هذه المنطقة واعتادوها وعن الفنون المتداولة عادة في هذه الأمسيات يقول:
الألوان الشعرية كثيرة ولكن يغلب عليها الطابع الغزلي فهو المفضل عند الناس وجمهور المتذوقين، ويظهر أيضاً حب للقصائد الاجتماعية - عموماً - وقصائد الحكمة والنصح، وهذا ما جعل الأمسيات تحظى بشعبية في حفلات الزواج في المنطقة مؤخراً.
عوامل مشجعة
* خلف الفريح «من المهتمين بالأمسيات» يرى أن من أسباب انتشار هذه الأمسيات هو قصور الأفراح والفنادق، حيث تخصص أماكن بارزة ومنظمة لمثل هذه الأمسيات الشعرية وبعض القصور يضع الاعلانات البارزة لجذب متذوقي الشعر ومحبي هذا اللون والألوان الحديثة والتي أخذت في التزايد مؤخراً..
وسابقاً لا توجد هذه التسهيلات الالكترونية - إن صح التعبير - والقصور الآن تتيح كل الفرص والتسهيلات لمن يرغب في اقامة أمسيات شعرية، وتعمل على تصوير هذه الأمسيات أيضاً وبثها في الأسواق للجمهور ناهيك عن تحول الشباب مؤخراً عن الفون التقليدية وعدم رغبتهم فيها مثل العرضة النجدية والسامري، وأمر آخر لا يقل في الأهمية وهو ظهور المجلات الشعرية التي تبرز الأمسيات والشعر والشعراء.. كل هذه عوامل مساعدة لانتشار هذه الظاهرة في حفلات الزواج..
* يوافقه في ذلك الباحث الاجتماعي مطر بن عايد العنزي مؤكداً أن قصور الأفراح أراحت الناس كثيراً حيث إنه قبل سنوات قريبة كان الناس يبنون بيوت الشعر في الساحات العامة، ولذلك تصعب عملية اقامة الأمسيات لعدم توفر الأجهزة ومكبرات الصوت، والآن القصور تقيم كل هذا كجزء من وسائل جذب الزبائن، وهذا ساهم في انتشار ظاهرة الأمسيات الشعرية..
وعن ارتباطها ببلد أو مجتمع دون آخر يضيف خلف الفريح قائلاً:
ربما كان هذا في البداية، حيث ظهرت في الكويت أول مرة، ثم تحولت إلى مناطق المملكة الشمالية، بعد ذلك انتشرت في كل مكان، وأعتقد أن ارتباطها حالياً بوجود الشعراء في كل مكان، واقامة الأمسيات الشعرية في جدة والرياض والشرقية والجنوب دليل على عدم محدوديتها بمكان، ولكن ظهورها في حفلات الزواج في المناطق الشمالية للمملكة ربما بسبب عدم وجود مناشط مختلفة تقيمها الجهات ذات العلاقة مثل النوادي وإدارات التعليم والأندية الأدبية.. وغيرها لذلك ارتبطت مؤقتاً بحفلات الزواج وخصوصاً في المناطق الريفية في بلادنا..
فكرة فاشلة
هل تؤيد هذه الظاهرة؟
سؤال توجهنا به إلى عدد من الشعراء الذين كانت لهم تجاربهم في اقامة أمسيات شعرية في حفلات الزواج حيث شن في البداية الشاعر المعروف عمري الرحيل هجوماً على الأمسيات قائلاً: أمسيات الأعراس من منطلق تجربة شخصية هي أمسيات فاشلة لأسباب عديدة منها أن الناس أصابتهم التخمة من الشعر فهو موجود في كل مكان، وأينما يممت ستصطدم بشاعر أو «غاوي شعر» فالناس باختصار ملت سماع الشعر، الكل يريد أن يمرح ويتسلى ويتمايل مع أنغام العرضة والسامري لا يريد أن يكون جامداً «كالحجارة» يلقي عليه شاعر غزلياته، وآخر «مواعظه، ويكون الفرار دائماً مع العرضة والسامري، وغيرها من تغييرات الجسد، والسبب الآخر وهو الأهم أن الأعراس خاصة عندنا في الشمال ترتبط بالعنية «الكارثة» والناس حينما يتلقفون «كروت الدعوة» تخيم على وجوههم سحب الهم الداكنة لا لشيء - إنما لأن في رقبة كل واحد منهم «مديونية» حل وفاؤها!!
فتجد الواحد منهم يخطو إلى الفرح وكأنه مقبل على «عزاء» وفي هذه الأجواء لا ينفع الشعر ولا يفلح الشعراء حيث أتوا!!
ولهذا لا يقحم الشعر في كل زمان ومكان ويجب أن تكون له أجواؤه الخاصة ولا يكون الشاعر «علبة بيبسي» يتطلب حضورها وراء كل وجبة «دسمة» حتى لا يتعرض «لمقاطعة» الجمهور على الأقل!!
* الشاعر بشير اللويش «الراسي» يتفق مع الشاعر عمري الرحيل في أن اقامتها في حفلات الزواج هي فكرة فاشلة، لأن المدعوين إلى الزواج ليسوا كلهم من هواة الشعر ومتذوقيه، ففيهم كبير السن وفيهم الطفل وفيهم الجاهل والمتعلم، فالأذواق لا تتجه بالضرورة إلى سماع الشعر، وبحكم تجاربنا الشخصية لا نرى أن اقامتها مناسبة في حفلات الزواج إلا بشروط صارمة صعب أن تطبق في حفلات الزواج.
نؤيدها بشروط
على الجانب الآخر يرى الشاعر محمد العايد أن ظاهرة، الأمسيات الشعرية في حفلات الزواج ظاهرة جيدة وتستحق البقاء لأنها تضيف للحفل روح الفرح والتجديد، ويؤكد أنه مع انتشارها بشرط أن يكون الترتيب لها جيداً، وأن يقيمها شاعر جيد، وعدم دخول الأدعياء عليها، أما عدم الجدية في اقامة بعض الأمسيات، أو انصراف الحضور إلى عدم السماع فهو من معوقات استمرار نجاح هذه الظاهرة..
«الشاعر مشفي حمود الجرواني يتفق في أن الأمسيات تحظى بشعبية وجماهيرية لا يمكن أن ينكرها أحد، ولكن يؤكد على حسن التنظيم والإعداد الجيد المسبق واختيار الشعراء المناسبين، ولكنه في الوقت نفسه ضد العشوائية والارتجالية في اقامتها، ويرى أن اعتذار بعض الشعراء، وانشغال البعض الآخر منهم أو سفرهم من معوقات استمرار هذه الظاهرة والتي ترتبط بحفلات الزواج عادة!!
|