*تحقيق- فوزية ناصر النعيم:
عجبت من البيوت التي تغلق أبوابها وخلفها فتيات بعمر الزهور يرفضن الدخول لعالم التكوين الأسري.. ومنهن من تجاوزت العمر المناسب للزواج وتعتقد ان عجلة القطار تجاوزت محطتها بسنوات كثيرة وأنها لا تفكر في هذه المسألة على الاطلاق والغالبية العظمى ترفض فكرة الزواج لأنها تعتقد ان الزواج واقع مرير مثلما تعيشه والدتها مع والدها.. ولعل وجود الأمثلة الحية سبب قوي في الانعكاسات الذاتية والنفسية التي على ضوئها تحدد الابنة مصيرها، «الجزيرة» التقت مجموعة من الفتيات منهن من ترفض الزواج لأسباب عديدة ومنهن من تعتبر الزواج جواز عبور للهرب من تلك الأسباب والعوائق..
لا تعممن الفكرة
الشابة هند العبدالعزيز «27 سنة» تقول: حينما كنت بسن المراهقة كنت أحلم كثيراً بفارس احلامي وكنت اتمنى الاستقرار مثل أي فتاة بهذا العمر ولكن حينما كبرت وعملت تغيرت فكرتي تماماً بل ان مسألة الزواج لم تعد تشغلني على الاطلاق فأنا أعمل مع مجموعة كبيرة من المعلمات والموظفات وأرى معاناتهن مع ازواجهن منهن من تشتكي من سيطرته وعصبيته ومنهن من تعاني من سلبه لحقوقها حتى راتبها الذي تعمل به لا تملك حرية التصرف فيه.. إذاً لماذا ادخل السجن واذهب اليه بأقدامي وأنا حرة طليقة وسعيدة في بيت أهلي؟!!.
الشابة هدى سليمان العبدالله «21 سنة» تقول: على العكس تماماً، فأنا لا أؤيد فكرة الزميلة «هند» ففي مثل هذه الأمور لا يحق لنا التعميم وإلا لما استمرت الحياة الزوجية في كثير من البيوت فهذه قاعدة ولكل قاعدة شواذ والفتاة منا لا تدري ماذا يخبئ لها القدر فمن المفترض ان تكمل نصف دينها وتقدم على الزواج وكلها يقين بالله تعالى وتسعى الى تكوين أسرة صغيرة وتراعي الله في تربيتها وتوجييها.
«أم عبدالله» تشير الى تجربتها وتقول: ان اكبر خطأ اقدمت عليه في حياتي ان تزوجت فقد كنت سعيدة في بيت أهلي ولا ينقصني شيء.. لقد ارتبطت بإنسان طماع لا يهمه مني سوى راتبي الشهري وما دون ذلك لا يتعرف على شيء ورغم استيلائه عليه إلا انه يعاملني اسوأ معاملة ويهمل ابناءه ولا ينفذ شيئاً من طلبات المنزل.. بل ان ابي عافاه الله يحضر لنا ما نحتاجه.. اذا ما الذي استفدته من هذا الزواج طالما ان والدي مسؤول عني حتى بعد زواجي.. اليس بقائي في بيت أهلي افضل من هذه الحياة.. واستطردت قائلة: آه وما ذنب هؤلاء الأبرياء؟!!.
متشائمات
الطالبة «انعام» في المرحلة الجامعية فتقول: انني لا افكر بالزواج على الاطلاق ولا اريد ان اكرر مأساة والدتي.. ان والدي هداه الله اعطانا صورة سيئة للحياة الزوجية فهو يقصر معنا ويسوم والدتي اشد أنواع العذاب ونكاد لا نسمع في بيتنا إلا الصراخ والعويل.. واستطردت قائلة: قولي بالله عليك كيف تقدم على الزواج من عاشت مأساة عظيمة مثل مأساتي؟!، وهل لو تهورت وفعلتها سيكتب الله لي السعادة انني خائفة جداً ولا يمكنني المضي في مثل هذا الأمر والله يفعل ما يشاء.
عبير محمد «24» سنة تروي مشكلتها قائلة: لقد عشت واقعا مريرا بسبب والدايّ فهما هداهما الله دائما الشجار والصراخ ولم يمنحانا الاستقرار على الاطلاق واعتقد ان أي فتاة في مثل وضعي سوف ترفض الزواج بتاتاً خوفاً من تكرار المأساة ولكنني على العكس تماماً سوف اقبل من اول شخص يتقدم لي حتى أهرب من هذا الجحيم المقيم فلم يعد لي قدرة على تحمل هذه الأجواء ويكفي انني لم اتمكن من اكمال دراستي.
فاطمة «37» سنة بعد أن فوتت الفرصة تقول: اعتقد بأن بعد هذا العمر لن يكون هناك قطار يمر بمحطتي إلا ان كانت «عربة» معيوبة اكل عليها الزمان وشرب.. ولعلها ضريبة ادفعها الان رغم انفي فقد كنت ارفض الزواج حينما كنت بسن صغيرة بسبب دراستي وأسباب أخرى واهية ظناً مني ان الحياة تدوم لي في ذلك الرخاء والسعادة حينما كنت بين والدي ووالدتي والان بعد ان خطفتهما يد المنون وعانيت مرارة الاحتياج وتذمر اخوتي مني ومعاملة زوجاتهم السيئة ندمت كل الندم على ما فات من عمري دون ان اكوّن اسرة اتظلل بها حينما يفعجني الزمن ويكشر عن انيابه..
والآن كل من يتقدم لي إما مريض وينتظر الموت او شخص مسن يبحث عن من يخدمه او شخص يرغب بزوجة رابعة.
عائشة الصالح «30» سنة لا تريد قطاراً يمر بمحطتها سواء كان جديداً أو قديماً وقالت: لقد ودعت قطار الزواج منذ 5 سنوات واتمنى ألا يعرف طريق سكتي مرة أخرى فلقد كانت تجربتي السابقة مريرة جداً ولا اعتقد انني استطيع إعادة الكرة مرة ثانية بل ان فكرة الزواج اصبحت تضايقني جداً وتصيبني بالصداع المزمن فهل يعقل بعد ان منّ الله علي بالحرية من زوجي السابق ادخل القفص مرة أخرى.. لقد كان قاسياً جداً سلبني اقل حقوقي حتى الشعور بالأمان والحرية داخل بيتي لم اكن اشعر بها كان يرفض كل طلباتي ويمنعني من زيارة والدتي او حتى محادثتها بالهاتف والسؤال عنها.. لقد بقيت 4 سنوات اطالبه بحريتي حتى وصل الأمر الى المحكمة وطلبت تدخل الجهات المسؤولة لإنقاذي من هذا الجحيم.. سبحان الله وهل يعقل بعد هذه الرحلة الأليمة والجهاد المرير ان اعود الى السجن مرة أخرى؟!.
القدوة السيئة
وتؤكد الشابة «حنان» «26» سنة ان اخوتها سبب عزوفها عن الزواج، وشرحت ذلك بقولها: إنني اسكن مع والدتي وثلاثة من اخوتي المتزوجين والحقيقة انني قبل زواج اخوتي منذ «8» سنوات وانا افكر بالزواج وانتظر الرجل المناسب الذي يكتب الله لي معه حياة زوجية سعيدة. ولكن ومع الاسف بعد زواج اخوتي جميعهم بدون استثناء حدث لدي ردة فعل قوية وأنا أرى معاملة اخوتي لزوجاتهم حيث تبنى حياتهم على الجشع والطمع وحب المال وقلة الاحترام لدرجة ان الواحد منهم لا ينادي زوجته باسمها بل يناديها بأسوأ الصفات وأمام ابنائه لدرجة ان الزوجة المسكينة فقدت
احترامها عند الأبناء وفقدت خصوصيتها وتقديرها أمام الجميع.. وللأسف هذه المشاهد التي أراها يومياً كانت سببا عظيما في تغير وجهة نظري تماماً ورفض فكرة الزواج على الرغم من إلحاح اخوتي واصرارهم على تزويجي عندما يتقدم لي شخص مناسب.. ولكن مع الأسف لا استطيع ان اقدم على هذه الخطوة ولا يمكنني مصارحة اخوتي بأنهم السبب الرئيس وراء رفض فكرة الزواج.
الشابة «م.ع» لها تجربة مريرة ومأساوية ترويها كالتالي: لقد تزوجت في عمر متأخر بعد سن الثلاثين وبعد إلحاح من والدتي واخوتي فلم يكن يخطر ببالي يوماً ان ادخل هذا القفص بسبب احوال زميلاتي المتزوجات ومعاناتهن اليومية بالاضافة الى واقعي في بيت أهلي حيث ان والدتي انفصلت عن والدي بعد معاناة وعذاب.. وتزوجت ولكن للأسف لم أوفق كان شخصاً مريضاً يعاني من عقدة نفسية وشخصية شكاكه.. لقد أصبحت الحياة معه مستحيلة الى ان قسم الله لي منه طفلة جميلة حاولت بعدها ان اجعل الحياة تمضي من اجل هذه البريئة ولكن دون جدوى الأمر يستفحل والصبر يخون.. طلبت الطلاق ورفض وتركني في بيت أهلي سنوات وأنا معلقة لم يكن الأمر يهمني كثيراً فأنا لا افكر بالزواج مرة أخرى.. حتى اصبح يطاردني ويتعرض لي في الأسواق ويحاول الاعتداء علي بالضرب فرفعت عليه قضية طلاق ماطل خلالها طويلاً حتى استقر به الأمر باستنزافي مادياً وأخذ مبلغاً كبيراً مقابل حريتي.. وحدث ما كنت انتظر ولله الحمد.. ولكن بدأت معه معاناة جديدة فهو يطالب بحضانة الطفلة وقلبي يعتصر ألماً من هول الأحداث!!.
وتقول إيمان عبدالرحمن «31» سنة: اشغلتني والدتي وانا ادرس الجامعة والحت كثيراً علي بالزواج وتقول دائماً ان عمر البنت مثل عمر النبتة سرعان ما تذبل ويذهب ريحها لقد شكلت عندي هاجساً وتخيلت نفسي مثل النبتة الميتة وتزوجت بعد الجامعة فأصبحت بالفعل نبتة ميتة.. فلقد كان مولعاً بالسهر واللامبالاة والاتكالية ولا نراه إلا وهو نائم.. سامحك الله يا والدتي أي نبتة هذه التي كنت تتكلمين عنها؟!.
المحررة
لقد كانت الآراء كثيرة وكلها تجمع على الهروب من الزواج أو الزواج هروباً وتساءلنا كثيراً هل الأحداث المحيطة بالشخص قد تكون دافعاً لوجود مثل هذه الأفكار أم انها مشاعر مختلجة في اللاشعور وتنتظر من يظهرها على السطح لتكون مأساة جيل بأكمله؟!
* هذه الآية الكريمة نور يشع على دروب حياتنا للسير قدماً في تحقيق اسمى معاني الزواج «السكنى والمودة والرحمة» فأين نحن منها الآن؟ بل أين فتياتنا اللاتي اجتمعن على العزوف عن الزواج مرددات تبريرات لا تتخطى اسقف حلوقهن فلا صدى يرد ولا حقيقة تتخذ بل عقول تحتاج الى اعمالها على أسس صحيحة مبنية بشرع الله ثم التربية السليمة.. دعونا نقلب البصر والبصيرة.. علنا نجد مبرراً يقبله العقل لهذا الرفض.. احداهن قالت: انها مشكلة أبي تمتد جذورها منغرسة بكل قسوة في تكوين فكرتي عن العلاقة بين الزوجين وما ادارك ما يطرأ على هذه العلاقة من «عنف، قسوة، إهانة، بل تحقير».
والأخرى تقول: فات القطار يا اخيه وتخطيت مرحلة التفكير في الزواج، ولا توجد لدي القدرة على إقامة حياة جديدة.. وثالثة تقول: ان تزوجت فسيكون هروباً من واقع مرير أعيشه في محيط أسرتي المفككة!. من ذلك نلاحظ كيف انه قد ضاع الهدف السامي والأساسي من الزواج بين رفض جامح وبين قبول متهتك الستار.. أين نحن من قوله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة حق على الله عونهم، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف».
نحن لا نقول بعدم الأثر بالواقع الملموس ولكن نرفض بقوة تعميم هذه الأحوال والصفات على الجميع من ذكور وإناث فكما انكن تشتكين كذلك الرجال يشتكون ويترددون ولكن لابد من الاستعانة بالله سبحانه وتعالى والتوجه اليه برجاء التوفيق في الصالح من عباده بعيداً عن التخوف من ان يكون كفلان وفلانه.. ولدي يقين ان مشيئة الله هي الغالبة في كل أمورنا ولكن علينا باحسان الظن به تعالى ليحسن العطاء لنا وانتم ايها الآباء عليكم الخوف من الله في رعيتكم فكلكم مسؤول عن هذه الرعية.. ادوا الأمانة في تربيتكم لبناتكم وأبنائكم وتأسيس شخصيات صحية تتطلع لغد مشرق ومتفائل من خلال تعاملكم مع والدتهم ومعهم. والمجتمع بكل مؤسساته التربوية والتعليمية مطالب بالتوعية والحث على الزواج الشرعي القويم وتكوين الأسرة المسلمة وإنجاب الأبناء والبنات فإنه صلى الله عليه وسلم لمباه بكم يوم القيامة.
* ..علينا حفظ ذلك مع تذكر ان النكاح واحد من اربع سنن.
|