Thursday 11th July,200210878العددالخميس 1 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الخيال السياسي الخيال السياسي
د. فوزية أبو خالد

يستطيع المتابع دون عناء وربما بسرور سري أن يلحظ ان عدداً من قنوات البث الفضائي صار يحرص على تقديم عدد لا بأس به من البرامج الحوارية التي تبدي اهتماماً باستطلاع رأي المشاهدين العرب فيما كان يعتبر إلى وقت قريب ما قبل «الدشوش والنت» قضايا حساسة ان لم تكن محرمة في أوطانهم من المحيط إلى الخليج دون استثناء وان بتفاوت نسبي بسيط. ومما زاد في رواج هذه البرامج على ما يبدو هي حالة الاحتقان السياسي التي تعاني منها المنطقة والتي ارتفعت وتيرتها بعد الحادي عشر من سبتمبر، مما جعل السياسة تبدو كمادة تلفزيونية قادرة على جذب اكبر عدد من المشاهدين المتعطشين عطشاً مزمناً للتعبير عما يجيش في صدورهم من انكسارات المرحلة العربية الراهنة وما سبقها او قاد إليها.
وبغض النظر عن الوزن الفكري أو التوجه السياسي لهذه أو تلك من مثل هذه البرامج أو قنوات بثها مما يحظى بتحفظ البعض، فان المتابع يستطيع أن يجد تفسيراً معقولاً لإقبال اعداد متزايدة من المشاهدين عليها وتجشم عناء وتكلفة الاتصال الهاتفي أو الفاكسي أو الالكتروني بها لابداء الرأي أو لمجرد «الفضفضة» باعتبار ان عدداً من تلك البرامج قد صار يشكل ما يشبه منابر وساحات للرأي العربي العام كبديل علني ومتاح لمنابر وساحات للرأي العربي المفقودة وغير المتاحة في ظل غالبية الأنظمة العربية. غير ان مما قد يتعذر على المتابع ايجاد تفسير موضوعي له هو هذا الانقسام الحاد أو الحدي في الرأي الذي تتسم به معظم مشاركات المشاهدين لمثل هذه البرامج.
يظهر هذا الانقسام القطعي في كافة المشاركات وبين مختلف المتصلين خاصة حين يتعلق الموضوع بالعلاقة بين الحكومات والشعب. كما يظهر فيما يتصل بتلك العلاقة من قضايا مصيرية وشؤون يومية على حد سواء.
ووجود هذه الحدية القاطعة (مع أو ضد الحكومة) في معظم المشاركات لا يقتصر على مواطني بلد عربي دون آخر الا باختلافات نسبية، إذ إن بالامكان رصد الظاهرة في الاتصالات والمشاركات الآتية من أرض فلسطين كما في تلك الآتية من موريتانيا أو سواها من دول الجامعة العربية، وان كان لنا نصيب الأسد من تلك الآراء الحدية.
وتتضح ظاهرة الحدية في وجود نوعين لا ثالث لهما الا فيما ندر من المواقف في المشاركات الفضائية.
النوع الأول، هو ما يمكن تسميته بالموقف مع الحكومات ويتسم بالسمات التالية:
مشاركات تتسم بموقف دفاعي عن الحكومات بشكل اندفاعي وعاطفي لا يميل إلى تسبيب موقفه بعوامل عقلانية تعطي ثقلاً لمثل هذا الموقف.
مشاركة تتسم بموقف الرضا التام عن كل ما هو قائم والانسجام مع المعطى السياسي والاجتماعي كما هو وتعبر عن قناعة بذلك.
مشاركة تتسم بموقف المكابرة وترى في طرح الاسئلة على المجتمع تعرية اعلامية للحكومة والشعب معاً.
مشاركة يتسم موقفها بالمبالغات فترى في الانجازات التنموية مكرمات حكومية وترى في أي من اوجه القصور مؤامرة اجنبية كما قد ترى في النقد وان كان ايجابياً خيانة وطنية.
النوع الثاني: هو ما قد يطلق على موقف المشاركات الفضائية السياسية به مجازاً بالموقف ضد الحكومات ويتسم بالسمات التالية:
مشاركات يرمي موقفها بمجمل الأمور على كاهل الحكومات . فلا ترى لأي قصور قائم من سبب غير تقصير الحكومات.
مشاركات تجنح مواقف بعضها من تحميل الحكومات العربية كامل مسؤولية الانكسارات إلى التطاول بألفاظ فظة غير لائقة بكرامة الانسان والأوطان على شخوص الحكام وتخوينهم أو تعتيههم .
مشاركات تتبنى موقفاً يعبر عن سخط عام ويأس سياسي من مجمل الأوضاع التي لا ترى الحكومات قادرة على تغييرها إن لم تر فيها سببا للتردي.
على ان المشترك المثير للدهشة بين هذين النوعين من مواقف المشاركات الفضائية أنهما يتفقان وإن بدا ان طرح كل منهما نقيض للآخر على النظرة الاحادية للأمور التي لا ترى النصف الغائب من الصورة أو النصف المحذوف من النص، إذ إن كليهما (الراضي عن اداء الحكومات أو الساخط على ذلك الاداء) لا يدع مجالاً في خطابه لتقييم دوره كمواطن فيما آلت اليه الأمور. وفي الحالتين تكشف حدية الموقفين (المع والضد) عن تجسيد للشعوب في علاقتها بالحكومات. فكأن المواطن بمثل هذه المشاركات لا يعمل على أكثر من تكريس تحييده من أي فعل وطني فيهمش نفسه بنفسه أو يساعد على ذلك عن طريق قبوله بواقع ان الحكومات كل شيء وان الشعوب لا شيء يذكر في الحسابات السياسية. وهذا خلاف للقول العظيم «مثلما تكونوا يول عليكم» والذي يؤكد المسؤولية المشتركة بين الحاكم والمحكوم بما يحقق الاستقرار الداخلي على اسس من العدل والمساواة وبما يدافع عن عنفوان الأوطان في وجه الاخطار الخارجية المحيقة.
اما التساؤل الذي اتركه للقارئ في آخر هذا المقال فهو ما الذي يجعل المواطن العربي حتى عندما تتاح له نافذة للتعبير غير قادر الا على المدح الفج أو الذم المرذول دون ان يحرك ساكناً ليغير ما بنفسه من حس سلبي بالمسؤولية عما يجري؟ ما الذي يمكن ان تفعله الشعوب والحكومات معاً لتفعيل الخيال السياسي نحو بناء علاقة أكثر صدقاً بينهما. هذا ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved