Thursday 11th July,200210878العددالخميس 1 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

حصار درويش حصار درويش
د.سعد البازعي

الحصار الذي يرسمه محمود درويش في نصه الأخير «حالة حصار» ابريل 2002 هو في المقام الأول ذلك القدر الكارثي الذي حل بالشعب الفلسطيني وعاشه الشاعر ولا يزال مع غيره من أهلنا في الأرض المحتلة، لكن في النص الشعري المشار إليه ما يشير إلى أن دلالات الحصار ليست مقصورة على الفلسطينيين أو درويش نفسه من حيث هو فلسطيني.. ففي مفردة الحصار ما تلبث أن تلمع دلالات أخرى قد يكون بروزها وأهميتها محل خلاف، لكنها مما يستدعيه العمل الإبداعي ويستحق من ثم الوقوف عنده. ففي مقاطع النص «وقد يرى البعض أنها قصائد قصيرة» حصارات متعددة، منها ما يطوق العدو الذي يفرض الحصار من حيث هو عدو، ومنها ما يطوق درويش نفسه من حيث هو شاعر، ومنها ما يطوقنا نحن من حيث نحن قراء «يعرفون» درويش، فيكون نص «حالة حصار» من هذه الناحية دعوة للتأمل في دلالات الحصار إذ تذرع الأصعدة كلها من الانساني/ النضالي إلى الثقافي إلى الإبداعي.
الصعيد الانساني/ النضالي هو بكل تأكيد أبرز ما يطالعنا، لا سيما أن درويش في أعماله الأخيرة، أو بالأحرى فيما يمكن أن يعد فترة نضجه مع بداية الثمانينيات، ظل يسعى حثيثاً إلى توسيع أبعاد النضال الفلسطيني بأنسنة الوضع الفلسطيني ككل مستكشفاً ما هو جذري ومشترك فيه على المستوى الانساني الشامل مع السعي إلى الاحتفاظ بخصوصية ذلك الوضع. وفي النص الذي بين أيدينا «أو أيدي البعض منا لأنه ما زال في تقديري بعيداً عن متناول كثير من القراء» يرتسم ذلك الوضع على نحو يذكِّر بما نجد في نصوص أو مجموعات شعرية سابقة، مثل مديح الظل العالي «وحصار لمدائح البحر» وصولاً إلى «لماذا تركت الحصان وحيداً» و«جدارية». هنا، كما في نصوص سابقة يتكئ درويش على قدرته المميزة على التراكيب الشعرية الساخرة، أو المفارقات التي تكشف ما ينطوي عليه الوضع من مآسٍ مباشرة وأخرى مقلوبة:
هنا، عند منحدرات التلال، أمام الغروب
وفوهة الوقت،
قرب بساتين مقطوعة الظل،
نفعل ما يفعل السجناء،
وما يفعل العاطلون عن العمل:
نربي الأمل.
لو تأملنا هذا النص الافتتاحي ل«حالة حصار» لوجدناه يؤسس لنغمة تتكرر في كثير من النصوص المتبقية: يستخرج الشعرية من مفارقات الوضع القائم، وضع الحصار. فهو يقول لنا إن المحاصرين لا يفعلون أكثر مما يفعله السجناء، لكن ما يفعله السجناء هو عادة البحث في كيفية امضاء الوقت في عالم يطغى عليه اليأس أو الكآبة، وليس تربية الأمل، هذه التربية التي تفاجئنا بزخة شعرية انسانية تغاير ما ظلت تهيئنا له الصور السابقة. فعلى امتداد هذا النص القصير هناك توال ملحوظ لصور كئيبة أو منذرة بالخطر، فهي إما حاملة للانحدار بايحاءاته: منحدرات التلال والغروب، والعطل عن العمل، أو لخطر الموت: فوهة الوقت «الوقت بوصفه بركاناً أو بندقية» بساتين مشوهة النمو أو مقطوعة الظل. ومن هنا تأتي المفارقة في تربية الأمل كمحصلة غير متوقعة لكل ما في الوضع من محرضات يأس، وكإضافة منعشة للمعنى الذي بات مستهلكاً: «ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل».
لكن اكتشافنا للعبة الدهشة في نهاية المقطوعة السابقة لا يساعدنا بالضرورة في اكتشاف ما يتلو من دهشات، حتى في تلك المقطوعات التي تعيد كتابة مقطوعات سابقة للشاعر في أماكن أخرى، كما في المقطوعة التي تبدأ ب«نحب الحياة غداً» ففي هذه المقطوعة من «حالة حصار» يستعيد درويش، أو بالأحرى يعيد كتابة، مقطوعة سبق أن نشرت في ديوان «حصار لمدائح البحر» تبدأ بقوله: «ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلاً» ويعتمد استراتيجية بلاغية مختلفة، هي استراتيجية المفارقة القائمة على التكرار. ففي كلتا المقطوعتين لعب على مفارقات الحب الذي يحمله البشر والكائنات جميعاً للحياة، بحيث يكون الإعلان عن محبة الحياة مليئاً بالمرارة لأنه يجيء هنا مثقلاً بالعقبات التي تقف في وجه الفلسطيني بشكل خاص وتجعل ما يراه الناس عادة طبيعيا وعاديا، أي حب الحياة والاستمتاع بها، هدفاً بعيد المنال أحيانا. تبدأ المقطوعة المشار إليها من «حالة حصار» بما يبدو أنه تكرار «نحب الحياة غداً/ عندما يصل الغد سوف نحب الحياة».
الجملة الأولى توحي بأن هؤلاء الناس يحبون المستقبل، لكن الجملة الثانية لا تكرر سابقتها بقدر ما تثير سؤالاً حول احتمالات هذا المستقبل، لأن الغد الذي بدأ في الجملة الأولى وكأنه قادم لا محالة ككل غد في حياة البشر يبدو الآن بعيد المنال: عندما يصل الغد، ولنلاحظ استخدام «سوف» التأجيلية أو التسويفية، إذ تباعد احتمالات المجيء.
لو أمعنا التأمل في ايحاءات الحصار لوجدنا أنه يتخذ مع الصور السابقة بعداً زمانياً بالاضافة إلى البعد المكاني الذي يخطر بالبال عادة «تربية الأمل، انتظار الغد» فحتى المستقبل واقع في براثن الحصار العدواني، بل إن العدو الذي يفرض الحصار سرعان ما يتضح أنه هو الآخر لا يستطيع فهم المستقبل كما ينبغي، فهو يريد قتل مستقبل الشعب الواقع تحت الحصار، لكنه بطريقة غير مباشرة يقتل احتمالات مستقبل أكثر اشراقاً له هو أيضاً: «إلى قاتل آخر» لو تركت الجنين/ ثلاثين يوماً، إذن لتغيرت الاحتمالات: قد ينتهي الاحتلال ولا يتذكر ذاك الرضيع زمان الحصار». وتمضي الصور لتعرض احتمال أن يتزوج الرضيع من ابنة الجندي وينجبا حفيدة «تكون يهودية بالولادة» لكن عدوانية الجندي التي أودت بحياة الرضيع حجبت احتمالات السلام والتآلف حتى وإن كان في صالح اليهود. ومثل ذلك يمكن أن يقال عن قاتل آخر واقع تحت حصار البندقية من ناحية وضيق الرؤية من ناحية أخرى، فهو لا يستطيع رؤية حتى ماضيه المليء بالتعذيب: «إلى قاتل» لو تأملت وجه الضحية/ وفكرت، كنت تذكرت أمك في غرفة/ الغاز، كنت تحررت من حكمة البندقية/ وغيرت رأيك: ما هكذا تستعاد الهوية».
غير أن الحصار لا يقتصر على الإسرائيليين أنفسهم، فيطال ما يبدو أنه أولئك الجيران من بقية العرب أو الفلسطينيين تحديداً ممن يرون نفسهم تحت حصار آخر:
لنا اخوة خلف هذا المدى
اخوة طيبون، يحبوننا، ينظرون إلينا
ويبكون، ثم يقولون في سرهم:
«ليت هذا الحصار هنا علني..»
ولا يكملون العبارة «لا تتركونا
وحيدين.. لا تتركونا».
هنا يكتمل مثلث الحصار: الفلسطينيون في الأرض المحتلة، والإسرائيليون من حولهم، والآن أولئك الواقعون خارج الحصار وداخل الحصار في الوقت نفسه، خارج حصار الإسرائيليين وداخل حصار آخر «حصار أوضاعهم السياسية» الحصار الذي يتسم بأنه حصار غير معلن مما يجعله أسوأ ويدفع بالمحاصرين إلى تمني اعلانه، بل والاستغاثة: ولكن بمن؟ بأولئك الواقعين تحت الحصار المعلن، فلسطينيو الأرض المحتلة: «لا تتركونا وحيدين.. لا تتركونا». ويا لها من مفارقة ساخرة!
لكننا في النهاية نهاية هذا التعليق السريع وليس نهاية النص الدرويشي نكتشف أن ثمة ضلعاً آخر لهذا الحصار يتحول به المثلث إلى مربع: «سأصرخ في عزلتي،/ لا لكي أوقظ النائمين.. ولكن لتوقظني صرختي/ من خيالي السجين!» فهو الشاعر نفسه إذاً محاصر لا بالإسرائيليين فحسب وإنما بخياله السجين. وفي تقديري أن دائرة الدلالة هنا تنداح إلى أبعد مما يبدو لأول وهلة، وهو تأثير الحصار على خيال الشاعر أو قدرته على التخيل. وقراءتي مبنية على ما أرى أنه اشكالية درويشية أو لعلها اشكالية للشاعر الفلسطيني بشكل عام إذ يجد نفسه محاصراً بالمتوقع أو المطلوب منه وهو أن يكون شاعراً فلسطينياً مكرساً لهموم القضية والمقاومة.
وإذا كان درويش قد تجاوز هذا الحصار بالفعل، لا بالتخلي عن قضيته وإنما بتوسيع دوائرها الدلالية من ناحية، وبإغنائها فنياً من ناحية أخرى، وكذلك بالانطلاق إلى هموم انسانية عامة عبر تقنيات منفتحة وبالغة الاتقان، إذا كان درويش قد فعل ذلك، فإنه سيظل هناك من سيجد صعوبة في التخلص من شخصية «شاعر المقاومة». وفي مقالات قادمة سأحاول أن أضيف إلى هذا البعد العام بالوقوف عند بعض الجوانب الجمالية في شعر درويش كما تتراءى في بعض نصوصه الجديد منها والقديم نسبياً، وإذ تخرج عن الصورة الأساسية للشاعر.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved