يفاجئنا الدكتور عبدالعزيز المقالح في «يمنياته» في عدد السبت الماضي من «الوطن» بصياغته الغريبة: الترجمة خيانة، ولكنها في مجال الشعر «خيانة جميلة»!
ليس للخيانة أي معنى سوى الخيانة بكل دمامتها، لا يشفع عن ذلك سياق للشعر أو المجاز، ولم تطلق هذه الصفة - منذ الرومان حين قالوا أيها المترجم أيها الخائن، ومروراً بكل لغات الدنيا في مختلف عصورها - على الترجمة من لغة إلى أخرى إلا لدمامة رغم الأنف تجعل من النص في ترجمته خيانة للأمانة في لغته الأصيلة، وفي مجال النص الشعري تصبح الترجمة ضرباً من محال، ويصبح الاصرار على الترجمة إمعاناً في خيانة أشد دمامة.
للدكتور عبدالله الغذامي ولآخرين غيره تجربة في هذا المجال فقد ترجم نصاً شعرياً عربياً إلى الانجليزية، ثم أعاد ترجمة النص الانجليزي إلى اللغة العربية، فبدت الترجمة العربية الجديدة، مثل «نكتة» سخيفة، هزيلة ومفرغة من أي معنى أو حس، والأهم مفرغة من أي علاقة بالشعر.
كان ذلك في سياق اثبات استحالة ترجمة الشعر، ولكننا خارج هذه التجارب نطرح السؤال: ما الذي يحدث حين تترجم نصاً شعرياً من اللغة العربية مثلاً إلى اللغة العربية ذاتها؟ هل يبقى من الشعر شيء؟ وما بالنا إذاً بنصوص يونانية كقصائد ريتسوس التي ترجمها سعدي يوسف عن ترجمة للنص اليوناني إلى لغة أخرى وسيطة هي الانجليزية قرأها الدكتور المقالح «خيانة جميلة»؟
هل كان أجدادنا العرب عقلاء حين عزفوا في عصر ازدهار الترجمة عن ترجمة النصوص الشعرية اليونانية واكتفوا بترجمة النثر، ولذلك لم يعرفوا فناً كالمسرح لأن كل نصوصه شعرية؟.. هل نكف عن ترجمة الشعر فلا نعرف شيئاً عن ثقافة الغير؟، وهل يقلل من فداحة الخيانة في ترجمة الشعر إجادة المترجم للغتين، المنقول عنها والمنقول إليها؟.. هنا عديد من المغالطات غالباً ما نتورط في الخلط بينها، كتورط الدكتور المقالح في فهمه لماهية الشعر - وهو من كبار شعرائنا العرب بلا شك - ومن ثم في فهمه لقضية الترجمة وأبعادها، فالشعر لديه صياغة لغوية فحسب، يصح أن يضع المترجم إلى جواره قاموساً يبحث فيه عن الكلمة ومعناها ويفترض أنه يبذل مجهوداً إضافياً في المراجعة والتدقيق والانتقاء، رائع إن كان الأمر كذلك، فالحاسب الآلي سيترجم لنا كل تراث الإنسانية إلى كل لغات العالم!! وطبيعي أن الدكتور المقالح في قصر الأمر على اللغة يقفز على حقيقة أن الشعر ليس الوزن أو القافية أو المفردة أو الصورة المبتورة عن سياقها والملصوقة - مقصوصة الأجنحة - بسياق آخر، وإنما الشعر في القصيدة هو الشعر فحسب، شيء ما في ضمير الكلمة الواحدة كما في وجدان الأشياء وتأرجحات الأشكال بين الواقع والمحال في الرؤى.. القصيدة الواحدة زمنٌ وأمةٌ بكاملها وتاريخ وظرف سياسي واجتماعي، وسياق ثقافي وواقع حضاري، فكيف نترجم هذا كله عبر الكلمة ومعناها في المعاجم؟
بقي أن أجيب على سؤال مما سبق هل نكف عن الترجمة؟
هذا ما اختلط فيه الأمر على الدكتور المقالح، فما نقوم به عادة من ترجمة نصوص شعرية أجنبية هو «تعريف» بالشعر عبر اقتراب من نصوصه وليس ترجمة شعرية وكذب الذين يدعون أنهم يعانون تجربة الشاعر من خلال قراءة لترجمة..
|