Thursday 11th July,200210878العددالخميس 1 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الأدب والفن ودورهما في تقارب الحضارات الأدب والفن ودورهما في تقارب الحضارات
د. عبدالعزيز السنبل

ظل الأدب من بين الفنون الأولى التي عبر من خلالها الانسان عن رؤاه وأفكاره حول كافة مواضيع الحياة، وذلك بصيغ مختلفة. كما كان الأدب من أكثر الفنون التصاقاً بالوجدان الانساني بالنظر إلى كونه من أكثر الفنون شيوعاً وتداولاً.
والواقع أن الأدب كان يحوي كافة الفنون في البداية، غير أن التطور الذي شهدته العلوم الانسانية وخاصة مجال الآداب والفنون قد أدى إلى استقلالية كل فن من فنون الحياة عن الآخر. غير أن كل واحد من هذه الفنون ظل يكرس صفته كتعبير انساني خاص عن رؤى وأفكار انسانية محددة حول موضوع ما من مواضيع الحياة. ولئن كانت بعض المواضيع المعالجة من طرف الأدب أو غيره من الفنون كالرسم أو الموسيقى أو المسرح أو السينما، كثيراً ما تتناول موضوعاً محدداً قد يكون في أكثر الحالات مرتبطاً بتجربة شخصية للأديب أو الفنان بمسألة أو موقف انساني أو عاطفي عاشه أو اطلع على معايشة الآخر له، فإنه كثيراً ما يكون الأدب وغيره من الفنون معبراً عن حالة وجدانية اجتماعية أو انسانية عامة.
ولذا ظل الأدب كغيره من الفنون معبراً منذ البداية عن الحالة الفردية أو الجماعية العامة لمجتمع أو شعب من الشعوب، وظل الأدب والفن عامة مخبراً لخدمة الايديولوجيا السائدة في مجتمع ما، أو لكسب الرأي العام حول قضية معينة، أو من أجل انشاء توجهات ايديولوجية معينة، أو من أجل تجنيد المجتمعات والشعوب حول مسألة يقع حولها خلاف أو صراع. لذا، كثيراً ما زج بالأدب والفن في الصراعات، حيث استخدم الأدباء والفنانون ونتاجاتهم كوسائل في الدعاية والتأثير على الرأي العام في كل صراع يقع، ومن أجل ايصال أفكار ما حول موضوع ما.
وعبر التاريخ، أنشئت الملاحم الطوال والإلياذات، ودبجت الخطب العصماوات والقصائد الطويلة الهادفة، كما نحتت التماثيل ورسمت اللوحات الفنية الرائعة، وأقيمت التمثيليات المؤثرة. كل هذا في سبيل استمالة الرأي العام لقضية معينة أو لأجل تجنيده لايديولوجيا بعينها. وقد وظف لذلك الفن والأدب في اتجاهات كثيرة وذلك عادة بالنظر إلى المنحى الذي يسلكه في التأثير أو الارتباط بموضوع ما.
لذا تعددت اتجاهات ومدارس الأدب والفن عبر التاريخ كل حسب ميوله وهواياته، فكان ما عرف بالكلاسيكية، والرومانسية، والسريالية، والملتزمة، والواقعية، والموضوعية، والوجودية.. إلى آخر اللائحة الطويلة من المسميات التي تعبر عادة عن منحى معين في الأدب أو في الفن يتمحور حول فكرة معينة أو هدف معين. وأمام استفحال تغلغل الايديولوجيا في الفن، ظهر ما عرف بالمدرسة المحايدة أو التي تقول بضرورة ان يمارس الفن للفن فقط دون أن تشوبه أفكار ذات طابع ايديولوجي أو منفعي. غير أن هذا الاتجاه لم يجد أي تقبل لدى الأدباء أو الفنانين، بل إن التأثير السياسي والاجتماعي والثقافي عموماً ظل هو المهيمن على مسار الأدب والفن منذ القدم وإلى يوم الناس هذا.
وللاشارة، فإنه قد كان دائماً للأدباء والفنانين الدور البارز أيضاً في اشاعة ثقافة السلم والتعايش بين الشعوب، غير أن الأدب والفن عموماً إنما كان وسيلة إعلامية لإفشاء أفكار ما، والآن وأمام تطور وسائل الاتصال، أصبح الفن والأدب في المقاعد الخلفية ضمن وسائل الإعلام، وأصبحت مظاهر العولمة بأبعادها الاقتصادية والإعلامية أكثر تأثيراً من الأدب والفن في ايصال الرسائل والأفكار وتحول الفن والأدب عامة إلى ممارسات ثقافية محددة.
وفي نظرنا أن تهميش الأدب والفن في الفعل الإعلامي والاجتماعي سيزداد مع تطور وسائل الإعلام واستخدام مظاهر العولمة في الجوانب الاقتصادية والإعلامية. ولن يبقى للأدب والفن سوى الدور الترفيهي المرتبط بمسميات وتجليات ثقافية معينة. لأن تسابق وتيرة العولمة وانتقالها بعد أحداث الحادي عشر من سيمتها الاقتصادية والاتصالية إلى سيمتها العسكرية القسرية، كل ذلك سيحد أكثر من أي تأثير للأدب والفن في العملية الإعلامية، أو في أي مجهود لإثراء الثقافة الانسانية أو لتشجيع الإبداع والتثاقف بين الحضارات. وإن كان سيبقى بعد هذه العولمة العسكرية من دور للأدب والفن في إثارة الأفكار وإفشائها، فعلينا نحن العرب أن نكثف من جهودنا للنهوض بأدبنا وفننا قصد اثرائهما في سبيل مواجهة العولمة الثقافية وذلك لرفع التحدي الناتج عن العولمة الاقتصادية والثقافية والعسكرية.

* نائب المدير العام للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved