Thursday 11th July,200210878العددالخميس 1 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

لما هو آت لما هو آت
تعدُّ حبَّات المطر...!
خيرية إبراهيم السَّقاف

«الآن...
وأنا أقف من بُعْدٍ... واللَّوحة أمامي تنبسط... أستطيع أن أقرأ ما في الزَّوايا، والمسامِّ، وتحت الطَّبقات، وخلف أبواب الرِّيح، والمطر، وعند انعطافة الظِّلِّ، وفوق كفِّ الضَّوء...
سطوح الأشياء هي خباياها...
على بُعْدٍ... حين تتَّسع الرؤية...
تظهر التَّفاصيل...
ما أجمل أن يتيح المرء لنفسه فرصة الانعتاق من حصار المسافة إلى سعَتها، ومن هيمنة الإحساس إلى الانطلاق به...، ومن دَكَن الظُّلمة إلى فسحة النُّور...، ومن وحدة الذَّات إلى توحُّد المرآة... ومن الصَّغير في الأمور إلى الأوسع منها...
تلك فرصة التَّحقُّق من الأمور... وتلك فرصة الحقيقة للحضور...
مَنْ مِنَ النَّاس يكون لك في حضورك وغيابك، فهو محب...
ومَنْ مِنهم يرضى بك في غفلتك وانتباهتك فهو محب...
ومَنْ لا يتخلَّى عنك في مرضك مثل صحتك، فهو محب...
ومَنْ إذا تألمت قَرُب منك ليزيل ألمك، ومَنْ إذا غضبت تبسَّم لك كي يذوِّب غضبتك...
ومَنْ إذا أنكرت عليه سدَّد وجْهتك، ومن إذا أسأت فَهْمَه حرص على تصويب فهمك عنه، ومَنْ إذا عرف همَّتك نحوه ازداد إقبالاً عليك، ومَنْ إذا أدبرْت عنه توجَّه إليك، ومَنْ إذا انكسرت قوَّمك، ومَنْ إذا أخطأت صوَّبك، ومن إذا أسأت أحسن إليك، ومن إذا عاتبت، وقسوت لم ينفر منك، بل يزداد إليك في حُنوِّه، وصفحه، وتجاوزه...، فكلُّ أولئك محبُّون...
ولكنْ،
مَنْ يقف للرِّيح كي يصدَّها؟
ومَنْ يتجاسر على ضعف صديقه؟ ومَنْ يتلاشى أمام إقبال صاحبه، ومَنْ يتحوَّل إلى درْع حين تهوج بصاحبه الفِكرَ؟، أو تُقصيه الآلام، أو تُبعده حتى الظُّنون مهما كانت وِجْهتها، أو توجَّهت بوْصلتها؟...
ومَنْ من النَّاس يحرص على أن يقف بعيداً في منأى عن معترك «المشاعر»، وساحة الأفكار، كي يرى التَّفاصيل ومن ثمَّ يأتي وبيده وسائل الحلول؟
يمسح الدَّمعة، ويردم الهوَّة، ويقوِّم المعوجَّ، ويربِّت على الجرح...،
ويُطفىء اللَّهب، ويُشحذ الفرح، ويُطلق أجنحة السُّرور، ويُوطِّد الاطمئنان؟!
مَنْ مِنَ النَّاس يُدرك أنَّ من يُحبُّك لا يجفوك، ولا يخونك، وأنَّ من يُصْدِقك لا يكذِّبك،... وأنَّ الحياة دون صدق لا تنبض، وأنَّها دون تفانٍ لا يُدْرَكُ كلُّها...، وأنَّ كلُّها لا يعرفه إلاَّ الأنقياء الأصفياء، الأصدقاء الأوفياء، الصَّادقون المخلصون، الذين يضمِّدون الجروح ولا يزيدون فتْقها، البانون للآمال والأحلام الذين لا يهدمون أبنيتها...، أولئك الذين يعلمون أنَّ تفاصيل السَّاحات، ومخابىء المفازات،
وما وراء هوج الرِّيح...
وما وراء السَّحاب، وبَعْد المطر...
وما في زوايا المخابىء، وأطراف السُّطوح.
وما فوق الأكفِّ، وتحت الأقدام...، وخلف الظهور، وداخل الصُّدور،...
لا يقرأه سوى صادق، ولا يفهمه سوى وفيٍّ، ولا يجثو على ركبتِه كي يدرَّ البذور، ويحرث التُّربة، ويُسقي الزَّرع، ويحصد الثَّمر، إلاَّ من نذر نفسه لصفاءٍ لا يتكدَّر، ولحبٍّ لا يتعكَّر، ولوفاءٍ لا يُخدش، ولصدقٍ لا يكذب، و... لعطاءٍ دائم... تدوم به وارفات الفرح، وتنطلق به أجنحته..
وبَعَد،...
فلقد ألقَت مقولتها...
وعادت إلى حيث تجلس... تعدُّ حبَّات المطر».
جزء من قصة طويلة

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved