Saturday 13th July,200210880العددالسبت 3 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الوجه القبيح للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط الوجه القبيح للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
لو كنت مستشاراً لعرفات.. بماذا أنصح؟
د.علي بن شويل القرني*

ربما تفرض الأحداث سؤالاً مهماً.. هل ما نعلمه من خلال وسائل الإعلام ونتعرف عليه من المتحدثين الرسميين هو أقل بكثير مما يدور في كواليس السياسة وغرف العمليات العسكرية ومكاتب الاستخبارات المظلمة؟.. وربما ان ما يطفو على السطح ليس إلا قمة الجبل الجليدي.. وماخفي أعظم.. وما لم يظهر إلى السطح أبلغ جسامة وأخطر تفكيراً..
تؤكد هذه المقولة أو الفرضية لما حدث من قفزة في التفكير السياسي الأمريكي في مسألة القضية الفلسطينية.. وصحيح ان البعض رأى ان هناك بوادر إيجابية في الخطاب الذي ألقاه الرئيس جورج بوش حول المنطقة، إلا انني أرى ان هناك شطحات كبرى في ثنايا الخطاب، وأهمها التلاقي الاستراتيجي في التفكير بين العقل المتطرف لرئيس الوزراء الاسرائيلي وبين المخطط الاستراتيجي للولايات المتحدة بقيادة صقور السياسة الأمريكية الجديدة.. وما يمكن تلخيصه هنا يتمثل في عناصر متطرفة جسدتها سياسة الوجه القبيح للولايات المتحدة في المنطقة:
1- قضت السياسة الشرق أوسطية للرئيس جورج بوش على حزب العمل الإسرائيلي، الذي كان يمثل قاعدة عريضة من سياسات السلام في المنطقة من المنظور الاسرائيلي.. وقد همشت مواقف الولايات المتحدة المتشددة دور هذا الحزب إلى أقصى حد.. كما انتزعت السياسة الأمريكية البساط من تحت أقدام رموز السلام داخل المجتمع الاسرائيلي أو ما يمكن الاطلاق عليها بمجموعة أحزاب «السلام الآن»..
2- قضت السياسة الأمريكية على الأصوات المعتدلة داخل الكيان الفلسطيني.. وبدت هذه الأصوات وعلى الرغم من الاعتدال الكبير في رؤيتها التي تصل إلى درجة اطلاق الخيانة عليها أحياناً من الأطراف المتطرفة داخل المؤسسات الفلسطينية.. بدت تظهر وكأنها استسلام حقيقي لكل متطلبات التطرف الاسرائيلي الذي ناصرته الإدارة الأمريكية.
3- أدت السياسة الأمريكية إلى إعادة هيكلة جديدة للمواقف في منطقة الشرق الأوسط. وبفضل التشدد في إدارة الرئيس جورج بوش تم سحب المجتمع الاسرائيلي بكامله إلى اليمين.. وتم خلخلة المواقف الفلسطينية إلى أقصى درجات التوافق الممكنة مع السياسة الاسرائيلية التي يمثلها حزب الليكود المتطرف.
4- من المهم التوضيح هنا ان الموقف الفلسطيني الحالي المتمثل في مجاراة الموقف الأمريكي والاسرائيلي هو موقف مرحلي تسعى الولايات المتحدة ومن ورائها اسرائيل من خلاله إلى خفض سقف التوقعات الفلسطينية إلى أقصى درجة كمرحلة حالية بتوقيعات شخصيات حالية.. ولكن سيتلوها خفض آخر في هذه التوقعات بتوقيعات شخصيات أخرى جديدة.. ولتوضيح هذه النقطة أكثر.. فان الشخصيات الحالية التي ستتعامل مع المبادرة الأمريكية سيتم تحجيمها إلى أقصى درجات التحجيم بهدف تهميش الدور الذي تقوم به وتسحيبها في المواقف حتى تقدم كل سبل التنازلات الممكنة.. وبعدها ينتهي دور هذه الشخصيات وتأتي شخصيات أخرى سيتم تسحيبها مرة أخرى لتقدم أشكالا جديدة من التنازلات في المواقف حتى تصل اسرائيل إلى مبتغاها من تهميش القضية الفلسطينية وجرجرة شخصياتها التاريخية ورموزها السياسية وترضيخ الجيل الفلسطيني وترويضه على المطالب التاريخية الاسرائيلية..
5- الهيكلة الجديدة لمخططي السياسة الأمريكية والاسرائيلية في المنطقة، السعي إلى هيكلة نفسية للجيل الفلسطيني الجديد.. ويأتي ذلك ضمن الخطة العشرية التي وضعها رئيس الوزراء الاسرائيلي.. وتنتهي إلى زيادة التطرف الاسرائيلي الذي يقابله تراجعات فلسطينية كبيرة.. ويبدو ان المعادلة الاسرائيلية الفلسطينية قد وجدها شارون أخيراً.. كلما زاد التطرف الاسرائيلي زادت التراجعات (التنازلات) الفلسطينية.. وهذا التوجه الجديد سيؤتي أكله من خلال تسحيب المواقف الفلسطينية وتركيع الشخصيات المتفاوضة.
6- الهجوم الذي بدأه شارون على شخص الرئيس الفلسطيني كان قد تأسس على مواقف غامضة للإدارة الأمريكية من الرئيس عرفات، ورفض اللقاء به على مدى أكثر من عام ونصف تقريبا.. ولهذا فإن مخططي السياسة الاسرائيلية قد بنوا على هذا الموقف الغامض سياسة استراتيجية واصلوا تثبيتها وتعزيزها إلى ان أتت أكلها أخيراً بمطالبة الرئيس بوش باستبدال القيادة الفلسطينية الحالية.. وربما كانت مزحة أمريكية تحولت إلى جد اسرائيلي..
7- من المعلوم ان تغيير المواقف وهيكلة السياسات تبدأ بفكرة التشكيك في الشخصيات وتنتقل إلى مرحلة الهجوم عليها، ثم المطالبة باستبدالها، إلى ان تتبدل.. وبعدها تأتي شخصيات جديدة بأجندة مختلفة نوعا ما، اما ان تفرض عليها هذه الأجندة من الخارج، أو تأتي أجندتها لتواكب الواقع الجديد ومتغيرات الظرف الدولي..ولكن، ترى ما الذي يفعله الفلسطينيون إزاء الظرف الحالي؟ وماهي الاستراتيجيات المقبلة لهم، وماهي ردة الفعل من الرأي العام لديهم تجاه السياسات المفروضة عليهم؟ فلو كنت مستشاراً للرئيس ياسر عرفات لنصحته باتباع الخطوات التالية ضمن مخطط لمواجهة المخطط الأمريكي الاسرائيلي..
1- الإعلان عن تنازل الرئيس ياسر عرفات عن رئاسة الدولة الفلسطينية بتاريخ محدد خلال الستة أشهر القادمة، ولكن مهمته تظل أساسية في بناء المؤسسات الفلسطينية التي ستقود الشعب الفلسطيني.. وقد يكون هذا الاجراء تكتيكيا - ولكنه حقيقيا - لخدمة القضية الفلسطينية رغم انه يخدم هدفا استراتيجيا على المدى البعيد..
2- تشكيل هيئة وطنية فلسطينية مسماة بأسماء وممثلي مؤسسات وهيئات تعمل على التهيئة للمرحلة القادمة.. وتكون هذه الهيئة ممثلة من كل ألوان الطيف السياسي.. بما في ذلك ممثلين من حماس والجهاد وفتح وغيرها.. وتعمل هذه الهيئة على تشكيل الأحزاب السياسية الكبرى في المجتمع الفلسطيني.. وليكن ذلك من حزبين رئيسيين على الأقل.. حزب وطني يتابع إنجازات الرئيس عرفات ويتولاه أشخاص حول الرئيس.. وحزب آخر يتمثل في قيادة مشتركة من حماس والجهاد وبعض الفصائل المتعاونة معها..
3- يتم الاعلان عن تشكيل هذه الأحزاب.. وطرح أجندتها السياسية والترويج لذلك في وسائل الإعلام المحلية والعالمية..
4- تُجرى انتخابات تشريعية ورئاسية على مواقف هذين الحزبين.. ويتم التصويت على ذلك من خلال آليات دقيقة وواضحة وعبر مراقبين دوليين.. وتأتي النتيجة لتفوز قيادة فلسطينية جديدة.. أما ان تكون قيادة مكملة لبرنامج الرئيس ياسر عرفات.. أو تأتي بقيادة أكثر تشددا من مواقف ياسر عرفات نفسه.. وقد تفرز الاصلاحات التي نادى بها الرئيس بوش وطالب بها رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون مواقف فلسطينية جديدة وقيادة فلسطينية ديمقراطية تطالب بأكثر مما طالبت به القيادة الحالية.. وهنا يمكن ان يصدق حدس وتوقعات وزير الخارجية الاسرائيلية شمعون بيريز.. بأن البديل لعرفات ستكون لا محالة قيادات حماس والجهاد.. التي ستكون لها مرجعيات أخرى غير أوسلو، وغير مدريد.. ربما..
5- المطلوب من القيادة الحالية عدم البت في أي قرار سياسي أو أمني مع اسرائيل أو الولايات المتحدة والانتظار حتى تفرز الانتخابات الفلسطينية قيادة جديدة تتحدث باسم الفلسطينيين.. أي ان الرئيس ياسر عرفات يعلق كل الاتصالات السياسية والأمنية حتى يتم الاعلان عن القيادة الجديدة..
6- يتم وضع هذه الآليات والخطط وصياغتها صياغة سياسية وقانونية في خطاب يلقيه الرئيس ياسر عرفات إلى كل الفلسطينيين والعالم.. ويحدد فيه برنامج الاصلاحات المقترح.. ويطلب من دول العالم دعم هذه الاصلاحات، والتمشي مع نتائجها..
وعندها فقط أعتقد ان جنون الإسرائيليين سيزداد، ولحظة الحقيقة لأمريكا ستظهر.. وبدل اللعبة التي تلعبها اسرائيل مع الفلسطينيين سيلعب الرئيس ياسر عرفات لعبته مع اسرائيل والولايات المتحدة.. والاصلاح الذي تطالب به الولايات المتحدة لاينبغي ان يتجه إلى مجرد استبدال شخصيات بشخصيات، بل بالضرورة ان يتجه إلى تحديد أجندة وطنية مستقبلية واضحة يتبناها الرأي العام الفلسطيني ويكافح من أجلها.

*رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية لعلوم الاتصال،
استاذ الصحافة والاعلام الدولي بجامعة الملك سعود

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved