Saturday 13th July,200210880العددالسبت 3 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

حد أدنى للأجور: جسر العمل القويم حد أدنى للأجور: جسر العمل القويم
عبدالعزيز السماري

كان يوم الثالث عشر من اغسطس 1938 حدثا مهما في تاريخ النهضة الصناعية الامريكية في القرن الجديد، في ذلك اليوم واثناء بناء سد «هوفر» بالقرب من حدود اريزونا ونيفادا، اوقف مئات العمال عمليات بناء السد، وطالبوا بتحديد حد ادنى للأجور في اليوم الواحد، كانت مطالبهم ترتكز على تحديد خمسة دولارات في «اليوم» للعمل في النفق وستة دولارات في داخل مناجم الفحم كحد ادنى للاجور لكن اصحاب الشركات المنفذة للمشروع رفضوا مطالبهم واكتفوا بإعطائهم حق التوقف عن العمل اذا تجاوزت درجة الحرارة اربعين درجة مئوية.
لكن الحاجة لتحديد حد ادنى للاجور دفعت بالمؤسسات الاهلية والنقابات للاستمرار في المطالبة بحد ادنى يحميه القانون المحلي، في شهر اكتوبر التالي من نفس العام، تحققت مطالبهم في تحديد حد ادنى للاجور. كان بدءاً من 25 سنتاً في الساعة، وعلى ألا تتجاوز ساعات العمل في الاسبوع 44 ساعة. وفي عام 1956م تجاوزت حاجز الدولار لأول مرة، واستمر في التصاعد بمعدل «20- 40» سنتا في السنة، حتى تجاوز حد ستة دولارات في الساعة خلال السنة الحالية.
إيجاد قانون يحدد ادنى سعر للاجور نواة مهمة في سوق العمل، وخطوة اهم ضمن مرحلة التطور التي يمر بها المجتمع السعودي، اما محاولة دفع السعوديين للقبول بأجر متدن اسوة بالعمالة المستوردة فقد تنجح مع تفاقم حاجة الانسان لعمل شريف، ولكن المؤكد ان تدنيه لن يخرج اصحاب الاجور المتدنية فوق خط الفقر.
من خلال تحديد الحد الادنى للدخل، يستطيع مكتب العمل احصاء نسب الذين يعملون مقابل الحد الادنى للاجور، وحجم البطالة، وهو امر يساعد المكتب على دراسة احوالهم الاجتماعية، والمعيشية، وعبر رصد معدلات ارتفاع المعيشة، تتم مراجعة تقييم الحاجة لزيادة اخرى في الحد الادنى و هكذا..
أثبتت احصائيات اكاديمية من سوق العمل الامريكي، ان اغلب موظفي الحد الادنى مسئولون عن تكاليف حاجة اسرهم اليومية، مما يشدد على اهمية تواجد مثل هذا القانون، لمد خيوط من الامل تقف مانعاً ضد تدهور طموحاتهم في توفير حياة شريفة لعائلاتهم. كذلك اشارت دراسات حول مستقبل موظفي الحد الادنى ان اغلبهم لا يتجاوز ذلك الحد، بل يبقى سجينا لدخل ادنى، ويرجو الكفاف من السؤال.
تنتشر مفاهيم خاطئة في ثقافتنا عن العمل، فليس صحيحا ان من يعمل «لا» يعاني من الفقر، هناك ملايين من البشر في العالم تعيش تحت خط الفقر بالرغم من العمل والكد تحت ضغوط الحياة المرهقة.. الاعلام يبرز فقط النجاحات الاستثنائية خارج ذلك الخط.. العمل يجب ان يكون جسراً للخروج من خط الفقر وطريقا لا رجعة فيه الى حياة الامن والطمأنينة.
المفهوم الخاطئ الاشهر ان هناك من يعتقد ان تحديد او زيادة الحد الادنى للاجور يزيد من البطالة وهذا ايضا غير صحيح، فالدراسات الاحصائية في اسواق العمل الغربية لنسب البطالة بعد زيادة الحد الادنى لم تشر الى ذلك، لكن المؤكد ان البطالة في الخليج تنتج عن عوامل اخرى مثل ازدياد حجم العمالة المستوردة، واغراق السوق المحلية بالعمالة الرخيصة، «المتخصصة وغير المتخصصة»، مما يقلل من فرص العامل او المهني المحلي.
العمالة الاجنبية تشهد قفزات متتالية في حجمها في دول مجلس التعاون، حيث ارتفعت من 1 ،1 مليون عامل وافد عام 1975م يمثلون 1 ،38 بالمائة من اجمالي العمالة حتى وصل العدد الى 3 ،7 ملايين عامل في عام 1997م «حسب دراسة لمنظمة العمل العربية» وهذا يعني ان نسبهم تصل الى حوالي 70 بالمائة من اجمالي الايدي العاملة. وهي للاسف نسب عالية وستؤدي الى تبعات لن تحمد عقباها، وتتطلب قرارات اقتصادية وسياسية جريئة لحماية العامل المحلي ضد اكتساح العمالة المستوردة للسوق المحلية.
لعل ثمة اعتبارات ابرزت الحاجة الى العمالة الاجنبية، منها عزوف العمالة الوطنية عن العمل في بعض المهن الفنية والحرفية ووجود خلل بين الخريجين المتوقع تخرجهم من حيث نوعيتهم وتخصصاتهم ومتطلبات السوق المحلي، لكن التوجه الاخير للتقدم نحو تعليم اكثر تخصصاً وموافقة لمتطلبات سوق العمل، يتطلب مراجعة تلك المفاهيم المتغيرة، فالمراقب للسوق المحلية يشهد تغيرا ثقافياً في فلسفة العمل، اصبح المواطنون يمتهنون مهناً فنية وحرفية، وهي علامات ظاهرة للمتابع، وتشير الى ان المجتمع تخطى سني «الطفرة» طيبة الذكر! وتجاوز قوانين العيب «الممتهنة» للحرفة. ما يثير الاطمئنان.. تصريح لمعالي وزير العمل والشؤون الاجتماعية الدكتور علي ابراهيم النملة في جريدة الشرق الاوسط في 15 نوفمبر 2001م عن توقعه البدء في تنفيذ دراسة جادة لوضع حدود دنيا للاجور في بعض المهن.
المتغيرات المحلية المتسارعة نحو التخصيص تستدعي تأسيس قانون يفرض حداً ادنى لاجور العامل السعودي او العامل مهما كانت جنسيته،.. لم لا؟.. انه امر يستحق الدراسة والمراجعة..
كم اتمنى ألا نبدأ من حيث بدأ الآخرون في «هوفر»..لن تنزل درجة الحرارة عن الاربعين في صيفنا الملتهب..

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved