أما المخطوطات فلدي ما يزيد على ثمانية آلاف مخطوطة بعضها نادر جداً حيث إنها النسخة الوحيدة التي بخط مؤلفها فهي ليس لها مثيل عند أحد وستكون هذه الكتب وتلك المخطوطات إن شاء الله تحت سقف واحد هو «مركز سعود البابطين الخيري للثقافة والتراث»، ويكون هذا المركز تحت تصرف الباحثين من طلبة العلم والمحققين يطلعون فيستفيدون ويفيدون، وسيكون لهذا برنامج وترتيب خاص يواكب ويوافق أحدث النظم».
هذا ما قاله الشيخ عبداللطيف بن سعود البابطين رجل الأعمال السعودي المعروف لإحدى المجلات الثقافية السعودية، قبل أربع سنوات، عندما كان هذا «المركز الخيري» حلماً يراوده، وهماً يؤرقه ليل نهار حتى انه خصص له جزءاً كبيراً من منزله الخاص بحي المعذر في مدينة الرياض.
البابطين والتراث ثنائية العشق والعطاء، لقد عشق عبداللطيف البابطين التراث، خاصة «المخطوط» منه، فأعطاه حبه وبذل ماله ووقته وجاهه في سبيل جمع «النادر» و«القيّم» من تراثنا المخطوط الذي أكل عليه الدهر وشرب، حتى كاد ينساه أهله وذووه في موطنه الأصلي، بدأ ذلك هواية وميلاً، ثم تطور إلى عشق ملأ عليه جوانح نفسه، فباتت «المخطوطة» عشيقته وحبيبته في زمن كثر فيه «العشيقات» وتنوعن على مختلف مستويات ألوان الطيف الثقافي والاجتماعي.
تأمل معي قول عبداللطيف البابطين «قبل 55 عاما مضت بدأت قصة عشقي وحبي للكتاب، بعدما أكملت دراستي الابتدائية عام 1367هـ، ومنذ ذلك الحين أحببت قراءة دواوين شعر النبط ثم الشعر العربي وأيام العرب في الجاهلية والإسلام وعن سير الملوك العظماء ممن سطر التاريخ أسماءهم ، ثم عن تاريخ ملوك ورؤساء الجزيرة العربية فأخذت أجمع شتات نوادر كتب التاريخ والتراث العربي ونفائس المخطوطات من معظم البلدان العربية ومن غيرها، فقصدت المكتبات في تلك البلاد واستطعت بحمد الله جمع ثروة تراثية كبيرة لا تقدر بثمن».
إنها قصة عشق وتجربة حب بدأت قبل نصف قرن من الزمان وكان بطلها العاشق المتيم عبد اللطيف البابطين والمعشوقة الجميلة هي «المخطوطة» من أي أرض جاءت وفي أي بلد وجدها، إن هذه الحالة من «العشق» جديرة بالدراسة والتأمل، لسبب بسيط، إن هذا العشق كان إيجابياً وفاعلاً ومتميزاً. فلعلنا إذا عرفنا أسبابه ورصدنا بيئته استطعنا تكرار هذه الحالة الايجابية من العشق المثمر الذي أثمر لنا مركزاً علمياً ينضم إلى منظومتنا الحضارية في هذه البلاد المباركة.
البابطين بدأ محباً للقراءة منذ طفولته المبكرة!! فبدأ بجمع نوادر الكتب ثم شد الرحال إلى بلاد الله الواسعة بحثاً عن نفائس المخطوطات.
فكم من طفل أحب القراءة في مجتمعنا؟ ولكن هل قاده حبه هذا إلى عشق الكتاب وجمعه والعناية به؟ فمتى نستطيع أن نحول تجارب الحب لدى أبنائنا الطلاب إلى ممارسة سلوكية حضارية.
لم يقف هذا «العشق» لدى البابطين عند حدود الذات، بل تعداه ليصبح عملاً وطنياً قومياً يخدم الوطن، وأبناءه، ويتجاوزه إلى محبي التراث المخطوط في مختلف أقطار المعمورة، عندما قرر جمع «8600» مخطوطة أصيلة تحت سقف واحد أطلق عليها «مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة» براً بوالده وتقديراً للبذرة الأولى التي غرسها في نفسه واختار مدينة «الرياض» مقراً له، ليؤكد مكانة هذه المدينة الثقافية ويفعّل دورها الفكري لتصبح بذلك مركز إشعاع تراثي في المنطقة ينافس بقية المراكز العربية والعالمية، مؤكدا دور المملكة العربية السعودية الريادي في خدمة التراث العربي.
اختيار البابطين لهذا الشكل من العطاء الوطني المدروس، يدل دلالة على التميز النوعي في خدمة الوطن، بما يتناسب مع القدرات والحاجات المطلوبة في مرحلتنا الراهنة، كما يبرهن على نضج تجربة القطاع الخاص السعودي الذي أبدع في التناغم مع متطلبات الحركة الثقافية في بلادنا.
ولعلّ من المناسب في هذا المقام، ذكر بعض المقترحات لعل إدارة مركز سعود البابطين الخيري للتراث والثقافة تأخذ بالنافع منها والمفيد، إن لم تكن قد بدأت في تنفيذها ..
الوسط الثقافي السعودي بحاجة ماسة إلى مجلة متخصصة في مجال المخطوطات، لتكن حلقة وصل بين المهتمين بالتراث المخطوط محلياً وإقليمياً، ولعل إدارة المركز تساهم في إنشاء مثل هذه المجلة، لتفعيل دور التراث المخطوط في مشهدنا الثقافي، ولتمكنه من الحضور في ذهنية المتلقي.
محبو التراث المخطوط والمسكونون بعشق المخطوطات على مرّ العصور فئة كبيرة في مجتمعنا، نلقاها في ندواتنا الثقافية والملتقيات العلمية، فهل فكرت إدارة المركز أن تجمع هؤلاء تحت سقف واحد لتقوية وشائج الصلة بينهم وليسهل التواصل الفاعل بينهم مما يمكنهم من تبادل الأفكار والمخطوطات القيمة، مما يثري حفظ التراث المخطوط، ويدل على منابعه المجهولة، لذا أقترح على إدارة المركز إنشاء منتدى ثقافي يجمع هؤلاء، ولعلّ دائرة نفعه تتسع من خلال طرح المحاضرات المتخصصة وإقامة الندوات العلمية التي تجمع أهل الحل والعقد في مجال التراث المخطوط لمزيد من نشر ثقافة المخطوط في مجتمعنا السعودي.
يحتاج المركز في بداياته إلى برنامج تعريفي شامل يخاطب شرائح المجتمع السعودي، لبناء اتجاهات إيجابية نحن تراثنا المخطوط حفاظاً واحتراماً وتطويراً، وقد بدأ المركز بشيء من هذا على يد الأستاذ عبدالرحمن بن عبداللطيف البابطين المشرف العام على المركز عندما حرص في الفترة الماضية على استقبال العديد من الوجوه الثقافية العربية الزائرة إلى المملكة من ضيوف الجنادرية وغيرهم، لكن هناك فئات في مجتمعنا السعودي يحسن ربطها بتراثنا المخطوط، من خلال برنامج توعوي يهدف إلى بث الوعي وتأصيل الممارسات الصحيحة تجاه هذا التراث المخطوط، فمثلا شريحة طلاب التعليم العام بمختلف المراحل تحتاج إلى زيارات مقننة إلى مثل هذا المركز لنبني في نفوس طلابنا احترام هذا التراث، وتقدير المخطوطات، كذلك طلاب التعليم الجامعي، خاصة التخصصات القريبة من أهداف المركز بحاجة ماسة إلى جولات تعريفية في جوانب المركز ليعرفوا مقدار ما بذل في خدمة هذا التراث، ولمد جسور التواصل معهم في المستقبل.
ماذا سيقدّم المركز لتاريخنا الوطني خاصة المخطوط منه؟، ومما لا يخفى على المهتمين بتاريخنا الوطني، ان الكثير والكثير من المخطوطات أو ما هو في حكمها من الوثائق وغيرها التي تتناول مراحل تاريخنا الوطني، ما زالت مبعثرة في شتى مدن وقرى المملكة، فلعلّ إدارة المركز تضع «مسابقة» للدلالة على مثل هذه المخطوطات وترصد لذلك جوائز قيمة، مما يساهم في رصد أماكن تلك المخطوطات من خلال تنافس أصحابها، مما ينعكس إيجابياً على مستوى عناية المواطن السعودي بالمخطوطات وحفظها وضمان وصولها إلى المركز.
أخيراً ..
أقول للشيخ عبداللطيف البابطين ما قاله صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن عبدالعزيز عندما خاطبه في حفل افتتاح المركز قائلا:
«الأخ عبداللطيف كان وفياً لوالده لوطنه»
وليس بعد هذه التزكية من عبارة تقال أو تذكر، خاصة أنها من الأمير المثقف وعاشق الرياض الأول ..
ختاماً ..
همسة في إذن الشيخ عبداللطيف البابطين الذي منّ الله عليه بعشق التراث العربي والإسلامي، لأقول له:
أنت بتأسيسك لهذا المركز المتميز، تعتبر بحق جابراً لعثرات التراث على مرّ العصور الماضية، وما هذا المركز الحضاري في رياض الثقافة إلا شاهد على حرص رجل الأعمال السعودي على التميز في خدمة وطنه ودليل صادق على محبته لبلاده وأبناء مجتمعه.
* سكرتير تحرير المجلة العربية |