* القرارة - زكريا المدهون:
كانت الساعة تقترب من التاسعة صباحاً، بينما كان المسن المريض بالسكري مرزوق بركات أبو دقة «65 عاماً» ما زال ينتظر، عند حاجز المطاحن العسكري شماليّ مدينة خانيوس، أن تسمح له قوات الاحتلال الإسرائيلي بالمرور، ليذهب الى مدينة غزة لتلقي العلاج.
عجّ المكان بالحركة والضجيج رغم التدابير العسكرية.. فهنا طابور تصطف فيه شاحنات محملة بالمواد الغذائية، وهناك طابور آخر من المركبات العمومية والخاصة، المكتظة بمواطنين ينتظرون السماح لهم بالوصول الى مدينة غزة.
وبعد عناءٍ يمتد لساعاتٍ طويلة، تقترب السيارات ببطء، ومع تقدمها تخفق القلوب وتشخص الأبصار.. وبالكاد تستطيع مشاهدة رأس جندي إسرائيلي يطل من برج مراقبة يتحصن فيه، ويشير من وقت لآخر بسبابته، آمراً طابور المركبات بالمرور، أو يمنعها من ذلك في أوقاتٍ أخرى - حسب إيحاء مزاجه-.
أما السائق الذي يخونه الحظ ولا يشاهد يد الجندي الإسرائيلي، فقد يفقد حياته وحياة آخرين معه، لا ذنب لهم سوى أن سائقهم لم ينتبه لإشارة الجندي المتحصن في برجه.
ظلّ المسن أبو دقة، الذي يقطن بلدة عبسان الكبرى في أقصى الجنوب الشرقي لقطاع غزة، ينتظر على الحاجز. وحين أخذت حرارة الشمس ترتفع، قال بتثاقلٍ شديدٍ وقد بدت عليه علامات الإرهاق والتعب: انتظر هنا منذ ساعتين، وحتى الآن لم يسمحوا لنا بالمرور.
ويشكل حاجزا المطاحن وأبو هولي أسوأ الحواجز العسكرية على الإطلاق، حيث لا يتمكن المواطنون من الحركة والتنقل بحرية عبرهما.. ويضطر المئات من المواطنين، في حالات كثيرة، الى الانتظار على الحاجزين -وفي الاتجاهين- لساعاتٍ طويلة، ولا أهمية لكونهم أطفالاً أو نساءً أو شيوخاً أو مرضى، وقد يجتمع هؤلاء كلهم معاً، ويصاب العشرات منهم بالإجهاد والإعياء، فينامون في أماكنهم عند الحاجزين.
المواطن أبو دقة أكد أنه يضطر بسبب مرضه الشديد للتوجه الى مستشفى الشفاء في مدينة غزة، الأمر الذي يزيد في معاناته ويعرض حياته للخطر، مشيراً الى أنه في كثير من الأحيان ينتظر عند الحاجز لأكثر من تسع ساعات، وغالباً ما يعود الى منزله إذا طال الانتظار.
يحتاج قطع المسافة بين مدينتي خانيوس وغزة، في الأوقات العادية، الى نصف ساعة تقريباً، لكن إجراءات حواجز الاحتلال جعلت قطع المسافة يستغرق المدة اللازمة للسفر الى بلدٍ أوروبي.
وتقوم قوات الاحتلال بفتح طريق صلاح الدين الأيوبي، التي تربط محافظات غزة الجنوبية والشمالية، لمدة ساعةٍ أو ساعتين يومياً، وفي أوقات غير محددة.
وتشوش تلك الإجراءات برنامج عمل الموظفين، الذين يتأخرون عن عملهم في معظم أيام الأسبوع، حيث تتعطل بالتالي الخدمات الاجتماعية والتعليمية والصحية، التي يقدمونها للمواطنين.
الموظف بلال، الذي يقطن خانيونس ويعمل موظفاً في وزارة الداخلية في مدينة غزة، يقول: إنه لم يتوجه الى عمله منذ شهر ونصف الشهر، نتيجة للعراقيل وأعمال التنكيل وامتهان كرامة الإنسان، التي يمارسها جنود الاحتلال عند الحاجزين المذكورين.
أما أدهم، وهو طالب في جامعة الأزهر في مدينة غزة، فلا يستطيع التغيب عن جامعته، رغم المعاناة اليومية التي يلاقيها على الحاجزين، خلال ذهابه الى الجامعة وعودته منها.
ويقول الطالب أدهم، الذي يقطن مدينة خانيونس بجنوب قطاع غزة: إنه يضطر، على نحو شبه يومي، للذهاب الى الجامعة، ويتعرض لممارسات بشعة ومهينة من قبل الجنود المتمركزين على الحاجزين، مضيفاً ان «الجنود، عدا عن المماطلة وعرقلة مرور السيارات، يقدمون في أحيانٍ كثيرة على إذلالنا وتفتيشنا بدقة، وتوجيه الشتائم لنا، بل كثيراً ما يعتدون على المواطنين بلا سبب.
وتابع قائلاً: نحاول التغلب على عراقيل كثيرة يفرضونها للحدّ من تنقلنا وتحركنا. فهناك تلال رملية ودبابات تهدد حياتنا وترهبنا، مما يجعلنا نقطع مسافاتٍ طويلة عبر طرقٍ وعرة، سيراً على الأقدام. ومع ذلك، غالباً ما أصل الى الجامعة في وقتٍ متأخر جداً ولا أتمكن من حضور المحاضرات كلها.
وأثناء تواجدنا في المكان، أطلق جنود الاحتلال النار.. فارتفع الصوت، وعلا الصراخ، وتدافع المواطنون في كل اتجاه، واختلط الحابل بالنابل.وهنا احتضنت امرأة طفليها اللذين لم يتجاوزا الرابعة، بين ذراعيها وهي تختبئ وراء شاحنة.. وقد انفجر الطفلان ببكاءٍ شديد.
|