قدر لي في يوم من الأيام أن أقوم باحصائية عامة عن الحاجات الجمالية للمرأة في الرياض. كانت العملية بالصدفة المحضة. لم انتبه للفرصة إلا متأخرا ولكنها كانت كافية لأصل أنا وزميلي إلى بعض الدلالات العامة. كنا نتلقى يوميا، ما لا يقل عن عشر مكالمات هاتفية يطلب أصحابها استشارات جمالية. من الصعب أن تحدد سيكولوجية الناس وحاجاتهم لاجراء تغيير على أشكالهم، ولكني أميل إلى الظن بأن نظرة هؤلاء الى الشكل متضخمة الى درجة تجعلهم يتخذون قرارا بالخضوع لعملية تجميل غير مضمونة النتائج، أظن ان الانسان الذي يبدل في شكل أنفه على سبيل المثال لا شك أنه على قناعة بأن أي أنف سيحصل عليه سيكون أجمل من الحالي. أتذكر في أيام المراهقة تمر على الانسان فترات يظن أنه أقبح انسان على الوجود. ويخضع رأيه في نفسه الى تعليقات الآخرين وخصوصا رأي الجنس الآخر. بعض الناس يتجاوز مرحلة المراهقة ولكن البعض الآخر تنتقل معه هذه العقدة. لا أعرف كثيرا في علم النفس ولكن هذا ما يردده كثير من الناس.
أعود الى الإحصائية، المسألة وما فيها كنت أعمل في مكتب بالقرب من عيادة تجميل وكان خط تلفوني مشابهاً لخط تلفون العيادة حتى انه يكاد أن يتطابق معه. لا يمر يوم دون أن يخطىء في الرقم عشرات. في البداية كنت أخبر المتصل بأنه غلطان، ولكن بعد أن أصبح التخلص من هذا الإزعاج غير وارد خطر في ذهني فكرة الاحصائية والتدخل في خصوصية الناس. ولكني ألزمت نفسي من باب الحفاظ على المعايير الأخلاقية ألا أسأل عن الاسم. وضعت تصورا بسيطا لما يجب أن أسأل عنه: العمر ونوع الشكوى وأسبابها هل هي خلقة ربنا أم سبب حادث الخ؟ فأخذت أجيب على المكالمات على أساس أنني موظف في العيادة.
أول شيء لاحظته ان النساء يتفوقن على الرجال بنسبة عشرين إلى واحد في الاستشارات الجمالية. والشيء الثاني ان معظم الرجال الذين يطلبون استشارة جمالية هم ممن تعرضوا لحوادث. والشيء الثالث ان الاستشارات المتصلة بالمشاكل الجلدية هي الطاغية، يلي ذلك مباشرة مشاكل السمنة والشحوم. والرابع ان الأنف والشفاه يسهمان بدور مهم في نظرة المرأة لجمالها.
أتفهم الصراع مع السمنة والصراع مع مشاكل الحبوب والتشوهات التي تصيب الجلد ولكن من الصعب علي أن أتفهم أن يكون للإنسان مشاكل مع أنفه طبعا مع الأخذ في الاعتبار القبح الشاذ الذي يطال بعض أعضاء الجسد ومن بينها الأنف مما يفرض حتمية تصحيحه. ولكن الشيء الذي لا يمكن أن أفهمه هو أن أجري عملية جراحية لأنفي لرفع درجة جماله. أعتقد ان هذا يعود الى مشاكل سيكولوجية أكثر منها مشاكل شكلية خذ على سبيل المثال المطربة اللبنانية نوال الزغبي التي أجرت عملية جراحية على أنفها. بالنسبة لي كانت قبل العملية أجمل منها بعد العملية. لأنني أؤمن ان جمال الوجه لا يقوم على مفرداته: أنف، عيون خدود الخ (أي كل مفردة على حدة) وإنما يقوم على وحدة هذه المفردات وتداخلها مع بعضها. فتلاحظ مثلا ان هناك نساء جميلات رغم أن عيونهن صغيرة وغير بارزة في التعبير الجمالي. أو أن تجد نساء أسنانهن متراكبة وغير منتظمة ومع ذلك يملكن ابتسامات ساحرة. كثير من الفتيات لا يسعين نحو الجمال ذاته ولكنهن يركضن خلف جمال الأخريات مثل فتيات الاعلان والسينما.
حكمة تعلمتها منذ زمن بعيد حمت روحي من الانزلاق في عقدة الشعور بالنقص أمام الآخرين تقول الحكمة: لن تنتصر إذا نافست الآخرين فيما يملكونه وإنما النصر حليفك إذا نافست الآخرين بما تملك.
فاكس 4702164 |