تتصدى أجهزة الأمن بكلِّ مستوياتها لقراصنة الجو والبحر والبر، وتُرصَدُ الميزانيات الضخمة لمواجهة القَرْصنة التي تهدِّد أمن الطرق والمسالك الجوية والبحرية والبريَّة، وتقف الأنظمة والقوانين الدولية بالمرصاد لهؤلاء المفسدين في الأرض الذين يختطِفون، ويقتلون، ويسرقون ويغتصبون، ويسعون - ليل نهار - لترويع الآمنين، ونشر الرُّعب في قلوب الناس.
كلُّ ذلك الرَّصد، وكلُّ تلك المواجهة أمرٌ مهمٌّ لتحقيق الأمن الذي لا يمكن للإنسانية أن تذوق طعم الاستقرار بدونه.
وكل تلك الخطط والأنظمة التي تتصدَّى لأولئك القراصنة مهمَّة جداً للحدِّ من أعمال العنف والتخريب التي تحطِّم آمال الناس في حياة مستقرة هادئة.
ويبرز بعد هذا سؤال مهم:
من يتصدَّى لقراصنة القيم والأخلاق، والفكر والثقافة؟!
من يصدُّ عن قلوب الناس وعقولهم هجمات هؤلاء القراصنة الذين يختطفون عقول الناس، ويسرقون وعيهم، ويغتصبون تفكيرهم، ويحولون بينهم وبين الفكر السليم، والمعتقد الصحيح، والثقافة النافعة؟!.
ربما يقول قائل: إنَّ هناك أنظمة وقوانين قد وضعت لمواجهة أصحاب «القَرْصنة» الفكرية، والعَقَديَّة، والثقافية، والأخلاقية».
ونحن نقول لهذا القائل: نعلم ذلك، ولكنْ أين التطبيق الجاد لتلك الأنظمة والقوانين؟ وما مدى سلامة الأسس التي قامت عليها تلك الأنظمة والقوانين؟!.
إن قانوناً واحداً - في نظري - يمكن أن ينسف تلك القوانين والأنظمة المكتوبة لمواجهة قراصنة الفكر، ألا وهو قانون «حرّية الفكر والثقافة»، هذه الحرية «المزعومة» التي تُرْفَعُ لافتتها في كل وسيلة إعلامية وفي كل ملتقى ثقافي في العالم، وهي لافتةٌ معطِّلةٌ لأنظمة وقوانين مواجهة قراصنة الفكر والثقافة والأخلاق، فما دامت «حرية الفكر» بصورتها «الفضفاضة» مطروحة بهذه القوة، ومؤيَّدة من منظمات عالمية ودولٍ كبرى تأييداً قائماً على التحيُّز الواضح ضدَّ القيم والمبادئ والأفكار والأخلاق التي أقرَّها، وشرعها الله سبحانه وتعالى لعباده، فإن «قراصنة الفكر» يظلُّون في مأمنٍ من العقاب الذي يستحقونه على اعتدائهم المستمر المدعوم على قيم الناس وأفكارهم وأخلاقهم.
«حرية الفكر» نظام دولي عالمي «عَوْلميُّ» يتيح لكل من ينتمي إلى هذه القَرْصنة الخبيثة أن يقول ما يشاء ويكتب ما يشاء، ويفعل ما يشاء ما دام لا يمسُّ أنظمة الدول الكبرى السياسية، وما دام مستهدفاً بقرصنة دين الله سبحانه وتعالى وقيمَ الناس وأخلاقهم، وما «سلمان رشدي» البعيد عن السلامة والرشد، وغيره من المخرِّبين المعتدين على القيم والأخلاق والمعتقدات الصحيحة عنَّا ببعيد.
لا أدري إلى أين تتّجه مركبةُ هذا العالم الحائر التائه؟ وإلى أين ستنتهي مسيرة هذه المركبة المحمَّلة بأصناف الضلال والانحراف عن جادَّة طريق الخير والحق التي شرعها ربُّ العباد للعباد.
بعد أحداث «البُرْجين المنكوبين»، قال المنظِّر الصهيوني الأمريكي «كيسنجر» كلاماً يدعو فيه إلى مواجهة عنيفة لأصحاب الأقلام الإسلامية التي ترشد الناس إلى الحق، وتبيِّن الضلال الذي يسيطر على مسيرة العالم المعاصر ودوله العظمى، مدَّعياً أن هذه الأقلام تدعم ما يسمّيه «الإرهاب»، وهو بهذا، - بكلمةٍ واحدة - ينسف فكرة «حرّية الفكر» تماماً، وكأنَّها أصبحت رجساً لابدَّ أن يتخلَّص العالم منه.
سؤال كبير حزين... مَنْ يتصدَّى لقراصنة الفكر والثقافة والأخلاق؟!
إشارة :
زمنٌ ضاعت الموازين فيه فغدا الدِّرهم الرَّديءُ جَنَيْها |
|