Tuesday 16th July,200210883العددالثلاثاء 6 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الثروة الوطنية بين: الخنزرة والسرطنة!!(2/2) الثروة الوطنية بين: الخنزرة والسرطنة!!(2/2)
د. حسن بن فهد الهويمل

وحديثنا عن ثوابتنا الاقتصادية، لا يعد تصدياً لواقعة يتعرض لها ثري، أو شركة ثم لا تتكرر كما أن اللغو المتنامي ليس واقعة بعينها، يرافع ضدها من تعنيه، وإنما هو على شاكلة الظواهر المألوفة المتنامية، والظواهر تحتاج إلى مواجهة جماعية، تحد من استشرائها وتأثيرها. وحين نمتعض من مثل هذه الظواهر، نعرف جيداً أن الصحافة لسان الأمة، ورائدها الذي لا يكذب، ومتى غفل الرائد أو واطأ على الخطيئة فقدت الأمة مقومات البقاء الشريف. ولسنا نود من كتّابنا، ولا من صحافتنا التخلي عن الثنيات، ولا افتراض النقاء والملائكية، ولسنا نريد لكائن من كان أن يكون فوق النقد والمساءلة، وإنما نريد التحري، وعقلنة المواقف، والتفريق بين أثرياء يأخذون بحق، ويعطون عن رضا، وآخرين إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، ثم لا يكون لهم عمل مفيد، ولا صدقة جارية، ولا هم بأمر المسلمين، وكل الذي يعنيهم خُويصة أنفسهم. ودفاعنا عمن يوظفون أموالهم في أي مجال من مجالات التنمية والانتاج الوطني لكافة الأغذية من الدواجن والألبان والخضروات والفواكه واللحوم وسائر المواد الغذائية يمثل الأخذ والعطاء العائدين بالنفع العميم، ولا تقل عنه المصانع التي تستوعب الأيدي الوطنية، وتمكنها من التدريب والتأهيل والمزارع. والمصانع بهذا الشكل ليست خالصة لأصحاب رؤوس الأموال، ولا للشركات وليس أصحابها قابضين وحسب، إنها ثروة وطنية، لا مقطوعة، ولا ممنوعة، تُفعل المال، ليمتد نفعه إلى عدد من شرائح المجتمع، وذلك بعض موجبات المحافظة عليه، والمحافظة لا تعني كف الأذي، والتحري عند أي شائعة مغرضة وحسب، وإنما هي بالدعم: المادي والمعنوي، وبث الثقة في نفوس الأثرياء الأوفياء لأمتهم ووطنهم، ممن غامروا بأموالهم، وجهودهم، وراحتهم، فجروا الينابيع، وأحيوا موات الأرض، واستثمروا الشواطئ السبخة، وحولوا الصحراء القاحلة إلى مروج وأنهار، جلبوا أحدث الأجهزة، واستقدموا أمهر الخبرات، وأقاموا أدق المختبرات، وكان حقاً علينا في مقابل ذلك مؤازرتهم، وتشجيعهم، وإغراء المحجمين من لداتهم، ليفعلوا مثل فعلهم، إن هجرة الأموال والأدمغة وإحجام الكفاءات الوطنية مؤشر سلبي، فبلاد الجذب، والإغراء، وتهيئة الأجواء، والدعم المادي بلاد يستحق أهلها الحياة الكريمة، والبلد النكد من تتسرب أمواله، ويهاجر أهله، وتنطوي كفاءاته على نفسها، إنه بلد ينقص ذويه الوعي والأهلية، فالأثرياء يبحثون عن المناخات المناسبة، والمجالات الآمنة لاستثمار أموالهم، والدول الواعية تمنح التسهيلات، وتهيئ الأجواء وتوفر الضمانات: وتخفض الضرائب، وتيسر الاجراءات، وتمنح الأراضي والقروض، وتحمي سمعة المشاريع، لكي تظفر برؤوس الأموال والخبرات والتجارب، وتبعث الثقة والاطمئنان، وحين تكون الأنظمة احتراسية، و(البيروقراطية) مستفحلة، والرأي العام متذبذباً، والصحافة متسرعة، والكتاب سباقين إلى الإشاعات، والناس خائفين مترددين شاكّين، تنكمش الأموال، وتكف الكفاءات البشرية أيديها، وتحجم الشركات الأجنبية، وتتسلل الأموال بحثاً عن دول داعمة وشعوب واعية، وعلينا أن ننظر كم من المليارات وآلاف الكفاءات من العالم الثالث خارج أراضيها، وكم لدى العالم الثالث من أموال الغرب وكفاءاته. إن هجرة الأدمغة، وتسرب الأموال مؤشران على ضعف البنية المعرفية والاقتصادية، وارتباك الأوضاع السياسية، واستفحال الأنظمة المعقدة، وتنامي الغفلة الجماهيرية المتخلفة من عوامل الطرد. وكل دولة تتسرب أموالها، وتهاجريجب عليها النظر في كافة أوضاعها. ولقد شهدنا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر كيف منيت الأسواق العالمية، وكيف بدأ الانهيار الاقتصادي لعدد من الشركات وكيف بدأت لعبة التضليل المحاسبي، الذي لم نكن أذكياء في استثماره، لإثبات أن التخلف ليس وقفاً على الشرق، ولست ممن يودون انهيار الاقتصاد العالمي، وإن كان لدول يمسنا منها أذى كثير، ذلك أن اقتصاديات العالم يؤثر بعضها على بعض، وبودي أن يكون اقتصادنا محلياً وعربياً وإسلامياً متيناً، قادراً على المنافسة، وتحمل الصدمات. ولن يكون كذلك، حتى يمتلك الرأي العام وعياً اقتصادياً، يقيه غوائل التضليل، وحين تكون الأوضاع طبيعية، فإن علينا أخذ حذرنا من المنافسات غير الشريفة، التي تقوم بين مصادر الثروة والانتاج، إذ هي مصدر الإشاعات والتشكيك، وحرب الأسعار، والإغراق، وليس أضر على مشاريعنا من تضليل الرأي العام، وتعبئته بالأوهام والأكاذيب. فتارة يشاع أن الدواجن الوطنية تعتمد في غذائها على (الهرمونات) وهذا يحِّول المستهلك إلى الدواجن المستوردة التي لا نعرف عن ظروفها الصحية والغذائية شيئاً، وأخرى يروج المغرضون أن أفراخها متخنزرة، الأمر الذي يحمل الدول المجاورة على اغلاق منافذها في وجه صادراتنا، وثالثة نسمع أنها متسرطنة، وذلك كاف لاصابة المواطن والمقيم والمستورد بالهلع. وحين اشتعلت حرب الشائعات حول (جنون البقر)، و(الكولسترول)و (الهرمونات) خرج رسامو (الكاريكاتير) برسوم تكشف عن مطاردة (الضبان)، تعبيراً عن تأثير الشائعات، فيما خرج حماة الحياة الفطرية في مواجهة أولئك، والشركات تواجه المروجين للشائعات مستعينة بالمختبرات العالمية، والشهود المحايدين، لاثبات الجودة والسلامة. ولكنها لا تضمن إعادة الثقة والخلوص من كساد منتجها، وما يقال عن المزارع يقال مثله عن المصانع، طعناً في الكفاءة أو تشكيكاً في الأمانة أو نفياً للجودة أو غلاء في الأسعار، وإذا كانت الشركات الوطنية تواجه الاشاعات بتقارير مخبرية عالمية، تثبت خلو منتجها من كل العوارض المضرة بالصحة، فإن وزارة التجارة تتابع المنتجات، وتراقب المصانع، وتضع علامة الجودة والسلامة دون محاباة أو مواطأة، ولكن أكثر الناس لا يفقهون، والمصانع والمزارع تثبت سلامة منتجها، وتطلب المواجهة الشريفة، وهي قد فعلت ذلك عبر صحافتنا المحلية، وطلبت من المقترفين الاعتذار، أو توثيق مقولاتهم، ولكنهم لاذوا بالصمت دون اكتراث، وكان عليهم أن يعتذروا عما بدر منهم، أو أن يثبتوا دعواهم. ومن الأجدى حين تشاع الأخبار الكاذبة، أن تتواصل وسائل الإعلام مع الشركة، ومع الجهات الحكومية المعنية بالأمر، للتحقق من صحة ما يقال، وليس هناك ما يمنع من نشر الشائعة والرد الحاسم عليها، لإحباط الادعاءات الكاذبة، وليس من المصلحة أن يكون الاتهام ناجزاً، والبراءة نسيئة، ومنتجاتنا الوطنية بجودتها وسلامتها وغزارتها غزت الأسواق العربية، ولنضرب مثلاً ب(الوطنية) و(بسابك) و(بالأدوية) و(الأسمنت) و(بمنتجات التجميع) اضافة إلى كافة المنتجات الزراعية، الأمر الذي حفز الشركات العالمية على المواجهة غير الشريفة معتمدة على تلفيق التهم، وإشاعة الأخبار الكاذبة، ولا شك أن أي إشاعة لها أثرها، وحرب الشائعات أسلوب خطير، متى لم يكن المتلقي على وعي تام بالصراع العالمي، وإذا كانت الدوائر السياسية تعتمد على حرب الشائعات، وصناعة الكذب، فإن الاقتصاد هو الآخر يعيش الصراع نفسه، ولن تكون الأمة في مستوى الأحداث، حتى تعرف أسلوب التصدي لهذه الأساليب الذكية.
وتعريض المنشآت الاقتصادية العملاقة للإساءة، يطال الأثرياء المتفضلين، والعاملين المستفيدين، والعملاء المستهلكين، ويصب في صالح رؤوس الأموال الأجنبية، التي يحرص ذووها على أن نأكل من غير زراعتنا، وأن نلبس من غير نسيجنا وأن نحارب بغير سلاحنا، بحيث نظل كما أراد (الحطيئة) لمهجوه:


دع المكارم لا ترحل لبغيتها
واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

ولا مراء في أن للشائعات عوائدها السيئة على حد: (قد قيل ما قيل إن صدقاً وإن كذباً) والمثل العامي المصري يقول: (الرصاصة التي لا تصيب تدوش)، وفن الدعاية يضع حيزاً لنزع الثقة من المنافس، وقطاع الدعاية والإعلام والعلاقات في المشاريع قد لا يكون قادراً وحده على التصدي لفيوض الإشاعات، وهنا يأتي دور المواطن، فهو في النهاية راع في موقعه، وكما أنه على ثغر من ثغور الإسلام، فهو كذلك على ثغر من ثغور الوطن، وواجبه أخذ الحذر، وتقصّي الحقائق، وما راء كمن سمعا، والرؤية تطمئن القلوب، وتقوي الإيمان، وفي هذا السبيل شهدت بعيني مشاريع اقتصادية تشكل ثرورة للبلاد، كمشروعات (الوطنية) من (الدواجن) و(الروبيان) و(الأغنام) و(الزيتون) و(النخيل) و(الأعناب) وحرصت على معرفة وسائل الجودة والسلامة، وأسلوب التسميد، والمعالجة، فما زدت إلا ثقة واطمئناناً، وتأكد لي حرص المسؤولين على السلامة والكفاءة، والخلو من أي عارض صحي، وحمدت الله على ذلك، وتمنيت لو أن كل مواطن أتيحت له فرصة الوقوف على المختبرات، والمعامل، والمجسات، والتجارب،والنظافة، واستخدام الآلة في الجني، والتعقيم، والتغليف، لكي يكون أكثر اطمئناناً وثقة، كما سمعت عن مشاريع وطنية مماثلة في مواقع متعددة من بلادي، يملكها أفراد، أو تديرها شركات، ولم أشرف بالوقوف عليها. ومشاريع الشيخ سليمان الراجحي التي خبرتها عن قرب، تبعث على الإعجاب والإكبار والاطمئنان، إنها ثرورة وطنية، وظف في سبيلها آلاف الملايين، وشغلت صحاري شاسعة، وشواطئ طويلة، واستقطبت كفاءات وطنية، وهو كما وصفه الأستاذ إبراهيم البليهي من عباقرة الاقتصاد والثروة البشرية للبلاد (الرياض 21/3/1423هـ) وهو خير مما يقول: «صدقاً، وأمانة، واحساناً، وتواضعاً. نحسبه كذلك، والله حسيبه»، ولما يكن وحده في الميدان فبلادنا والحمد لله غنية برجالاتها وبأثريائها، ولكن «زامر الحي لا يطرب» و «أزهد الناس بالعالم أهله» وكم في البلاد من أثرياء ناجحين، محسنين، يدعمون مرافق الصحة والتعليم والسياحة والثقافة والجمعيات الخيرية، وكم فيها من المؤسسات الخيرية والثقافية التي يمولها الأثرياء لوجه الله، ولم نجد من بيننا من يبادر إلى الثناء أو ينبري للدفاع، حين يتعرض أولئك أو تتعرض مشاريعهم للتعدي، وإذا كان مشروع الوطنية للدواجن يدفع إلى سوق الاستهلاك صباح كل يوم نصف مليون دجاجة، وضعف ذلك من البيض، وألف مولود من الأنعام، ومئات الأطنان من الفواكه، والتمور، والخضروات، والعسل، والزيوت، والطيور، والأسماك، والألبان، وإلى جانبه مشاريع أخرى، تصنع مثلما يصنع، فإن واجب المواطن دعم مثل هذه المشاريع الوطنية، ولو بكف الأذى، ومتى بدر منها تقصير أو ضعف، وهو متوقع، فواجبه التثبت أولاً، ثم المناصحة بالتلميح لا بالتصريح، وإذ يكون الجالب مهدياً فإن بناة الاقتصاد محسنون. ومن لم يشكر المحسنين فليس جديراً بالاحسان، وما أكثر الكفاءات الوطنية التي لا نشعرها بقيمتها، فالأثرياء، والعلماء، والأطباء، والمهندسون، والمحسنون، وكبار المسؤولين حين يخلصون، ويصدقون، ويتألقون، ثم لا يسمعون كلمة شكر، تذبل حيويتهم، ويشعرون بالإحباط، فكيف إذا تنكرنا لهم، وبادرنا في تلقف الاشاعات عنهم. لقد قيل عن شركات (التقسيط) فما أكترثنا، لأن فيما يقال مساعدة للمحتاجين، وتوقف الشركات عن (التقسيط) لا يضر بالمصلحة العامة، ذلك أنه عمل مالي صرف، لا يترتب عليه أضرار تطال المواطن، وقيل عن (المشروبات الغازية)، فما امتعضنا، ذلك أن منتجها من الكماليات، وقيلت كلمات صادقة ناصحة، فسعدنا بما قيل، ولما نزلْ بانتظار مقولات تحترم المصداقية، وتستبعد المثالية والملائكية. وافتراء القول عن المصانع والمزارع وسائر الشركات ذات النفع العام ينعكس أثره على مصلحة الأمة، ونحن هنا لا ندعو إلى الغفلة، ولا نحبذ غض البصر عن الهفوات، ولا نميل إلى حمد من لم يفعلوا، ولا نستبعد مرضى القلوب، ومن لا يحلو لهم العمل إلا في ظل الغش والاختلاس، وهؤلاء قلة نادرة، وغثاء كغثاء السيل، يذهب جفاء، وليس أمامنا إلا أن نتربص بهم خاتمة السوء، وأخذ الله القوي الأليم، فالله من ورائهم، ومن غش الأمة فليس منها: تاجراً كان أو مسؤولاً، وكل جسم نبت على السحت فالنار أولى به، والكسب الحرام يمحق البركة، وهو حسرة وندامة على أصحابه، فلا يسعدهم في حياتهم، ولا يريحهم في شيخوختهم، وإنما يكون وبالاً عليهم، يحملون أوزاره، ويضاجعهم إثمه في قبورهم، وتعود ثمرته إلى وارث، لم يَشْقَ في جمعه، ولن يحاسب عليه، ولن يدعو لمورّثه، ولا عبرة في الشواذ الذين خانوا الله والرسول، وخانوا أماناتهم. لقد أحسست أن هناك فجوة مفتعلة، بين المنتجين والمستهلكين، ليس لها أي مبرر، وكل عامل على توسيع الهوة مقترف ذنباً في حق وطنه وأمته، وعلينا أن نكون عيوناً واعية على مشاريعنا، لا ندع لها فرصة اللعب، ولا ندع للآخرين فرصة العبث في منجزاتها، وبلادنا بحاجة إلى جهودنا، وخبراتنا، وحمايتنا، ووعينا، والتفافنا، واعتصامنا بحبل الله على كل الصعد، لقد استهدفنا في عقيدتنا، وفي مناهجنا، وفي أخلاقياتنا، وفي أمننا، وفي اقتصادنا، وفي وحدتنا، وعلى الذين يتصورون أنهم آمنون أن يطوفوا عبر القنوات والمواقع والاذاعات والصحافة العالمية ليعرفوا حجم المكائد، ولن يحمينا إلا الفرار إلى الله.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved