Tuesday 16th July,200210883العددالثلاثاء 6 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

بصراحة بصراحة
اللحظة الحاسمة
لبنى وجدي الطحلاوي

وحدهم هم العظماء يستطيعون أن يدركوا متى تكون تلك اللحظة الحاسمة، ووحدهم هم العظماء من يستطيع استغلالها، ولذلك هناك قاسم مشترك يجمع بين العظماء دائما، من الصفات النبيلة والغايات السامية والأهداف المقدسة، واللحظة الحاسمة من أهم اللحظات في حياة البشر، فقد تغير حياتهم وتقلب واقعهم رأسا على عقب، وقد يكتشف المرء فيها حقيقته وقدراته، وقد يكتشف حقيقة من حوله، ولكن ما يترتب على تلك اللحظة هو الأهم، وإلا حولنا تلك اللحظة النادرة إلى لحظة كباقي اللحظات العادية في حياتنا، وأفقدناها قيمتها، وضاعت منا فرصة حقيقية في الحياة قد لا تأتي مرة أخرى.
يقول الحكماء والمعتدلون من أهل الاختصاص في العلوم الإنسانية مثل «علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة»، ان الفرص الذهبية، تكون نادرة في الحياة ولا تتكرر، وإن تكررت تلك الفرص للبعض فذلك أمر استثنائي... فليس من المنطق أن نجعل أنفسنا في انتظار أمر استثنائي.. قد لا يأتي أبدا، ومن يتمتعون بذلك التفاؤل المفرط غالبا ما يسبقهم الزمن وتمر بهم السنوات فلا يجدون في النهاية سوى أحلامهم وآمالهم المهدورة، فلقد تجاوزهم الزمن. ولذلك العظماء إذا بدؤوا مسيرتهم لا يتوقفون ، لأن شيئاً لا يمكن أن يثنيهم عن عزيمتهم ويعيدهم إلى الخلف، فلا يعرفون التقهقر ولا التراجع ولا الانهزام، فقد يكون التراجع أحيانا ضمن الخطط التكتيكية في المعارك للانقضاض أكثر قوة على العدو كجزء من المعركة لكن لا نهاية لها، فهم إن وعدوا صدقوا وإن قالوا كلمة أبوا أن ينكروها، ولا يتأثرون سلبا بتقلبات الحياة والناس والظروف، ولا تهبط عزائمهم، وما المواقف الصعبة والمؤلمة التي يتعرض لها العظماء إلا تكسبهم مناعة، وتحصنهم لمواجهة المزيد من المواقف الصعبة بمزيد من الثبات والنجاحات، «فالعظماء عزائمهم لا تضعف، وإرادتهم لا تموت، ولا يغريهم تصفيق المنافقين ولا توقف مسيرتهم صفعات الغدر من الحاقدين والحاسدين»، بل تزيدهم المكائد إيمانا وحماسا للمضي قدما في غاياتهم السامية وأهدافهم النبيلة، كما يدركون أن إرضاءالناس جميعا أمر صعب، ولذلك لم يكن ليعنيهم كثيرا ليقينهم أن الناس لا يخدعون طويلاً والزمن هو الوسام الحقيقي الذي يعطى لهؤلاء العظماء لأن بصماتهم تظل عبر السنين لا تمحى أبداً، ولا يمكن تجاهلها، فهم عمالقة في إنجازاتهم ومواقفهم ولذلك هم من يجعلون أزمنتهم عملاقة، فيدون المؤرخون أن تلك الحقبة وذلك الزمن زمن العمالقة والإنجازات العملاقة.
فالعظماء تزيد قيمتهم مع الأيام كالمعادن النفيسة وكلما سطعت الشمس وازداد نورها رأيت نقاء معدنهم، فلذلك هم لا يختبئون في الظلام ولا يعيشون في الظل ويعشقون النور، أما المنافقون والحاسدون «أعداء النجاح»، فهم كالمعادن المغشوشة ما ان يوضعوا في النور حتى يكتشف زيفهم، فالشمس سجنهم والنور سجانهم فهم أناس قلوبهم صدئت وضميرهم مات، يعيشون كالكلاب الضالة في الظل، ويموتون كما تموت الكلاب الضالة في وسط القذارة التي يصنعونها، فأعداء النجاح لا يدركون أنهم يخدمون خصمهم الشريف دائماً، لأن كل ضربة توجه إلى الشرفاء من الخلف تدفعهم دفعة قوية للأمام وكل قبر يصنعه أعداء النجاح للشرفاء لا يدفنون فيه إلا أنفسهم، فالشرفاء يكسبون دائماً المعركة الأخيرة «والعبر تكون دائما بالنهايات»، والعظماء هم الفرسان الشرفاء الذين لا ينفصلون عن ضمائرهم الحية ولذلك لا يخونون الناس ولا يخونون أوطانهم ولا يخونون قادتهم، بل يتميزون بوفاء وولاء منقطع النظير، ويترفع الشرفاء دائما فوق صغائر الأمور ويحمون أنفسهم من التدني إلى مستوى بعض البشر.
يحكي عملاق الصحافة المصرية مصطفى أمين - رحمه الله- في إحدى مقالاته الرائعة، قصة واقعية حدثت لصديق له. كان هذا الصديق تحكي له جدته في طفولته كل ليلة قصة «الشاطر حسن وست الحسن والجمال»، وعندما كبر هذا الصديق وأصبح شاباً تمنى بالفعل أن يلتقي بست الحسن والجمال ليتزوجها، وتمنى أن يقابلها فارس أيضاً كالشاطر حسن، يمتطي جوادا أبيض، ومن مفارقات الحياة أن أهداه يوما إحدى الشخصيات المرموقة جواداً أبيض أصيلاً بارع الجمال، ففرح به إلى حد الجنون ولم يعرف أين يمكن أن يوضع الجواد فأخذه إلى «الكراج»، حيث تقف سيارته، فضرب الجواد السيارة بقوة وأحدث بها تلفاً كبيراً، فأسرع الشاب ليمتطي الجواد ويخرجه من الكراج.
فما كان من الجواد إلا أن انطلق به بسرعة مذهلة ولم يتركه إلا ملقى على الأرض، في حالة يُرثى لها، وكاد أن يفقد الشاب حياته، فأدرك هذا الشاب المتحمس أنه لا يمكن أن يكون الشاطر حسن لأن المشكلة لم تكن في انتظار فرس أبيض بل في امتلاك صفات ومقومات الفارس أي «الشاطر حسن»، فليس كل من ركب الخيل خيالاً، ولا كل من أراد أن يكون عظيماً أمكنه ذلك ولا كل من أراد أن يكون فارساً أمكنه ذلك، إن كان فاقداً لمقومات العظماء والفرسان...

فاكس جدة 6066701
ص. ب 4584 - جدة 21421

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved