Tuesday 16th July,200210883العددالثلاثاء 6 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

(عمر يظهر في القدس) للروائي نجيب الكيلاني (عمر يظهر في القدس) للروائي نجيب الكيلاني
حلم أبيض يزرع بطلاً على ورق

مدخل
نجيب الكيلاني «ت 1995م»، روائي يجيد التعامل مع لعبة الفن الروائي، ويمتلك إنتاجاً غزيراً«1»، نالت بعض رواياته ومجموعاته القصصية جوائز تقديرية على مستوى الدولة والمراكز والجمعيات الثقافية في مصر، وجُسدت بعض رواياته في أفلام سينمائية ولعل أشهرها رواية (ليل وقضبان)، والتي رشحها للسينما الأديب نجيب محفوظ، وتناول كتابة السيناريو والحوار الأستاذ مصطفى محرم.
وهو من الجيل الذي أتى بعد جيل نجيب محفوظ؛ لذا فهو يعد تجربة نجيب محفوظ إحدى روافده الروائية. يتسم إنتاج الكيلاني بالتمرد على الإقليمية والمحلية ليمتد إلى بيئات وعوالم أخرى. وهو يمتطي صهوة المنهج الواقعي الذي هو «من أكثر المناهج ارتباطاً بالعمل القصصي بصفة خاصة»،«2»،.
(عمر يظهر في القدس)، «3».
1 - المحتوى الروائي:
رواية تعد تجربة فريدة من نوعها في أعمال نجيب الكيلاني الروائية، ترصد العبث اليهودي في فلسطين خصوصا بعد احتلالهم للقدس عام 1967م، وتكشف الأسباب الحقيقية للنكسة، وضعف المسلمين ومعالجة أمراضهم بالغوص في خبايا القضية.
يمزج هذه الرواية العلاقة بين الفن والمجتمع، علاقة تشظي تكديس الواقع وتعيد تنظيمه بحيث تبرز العلاقات المتناقضة التي يعج بها واقع القدس بعد احتلاله، لنسفها وإقامة فوق أنقاضها حل يجتاز هذا الواقع الأسود..
وقد اصطدم الكاتب ببعض العقبات منها سؤال كبير وهو هل يجوز شرعاً ظهور عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أمير المؤمنين والصحابي الجليل في عمل روائي؟.
ويذكر أن العلماء اختلفوا في ذلك منهم المبيح ومنهم المحرم والبعض فصّل إن كان في الإذاعة أو المسرح أو التلفزيون فلا وإن كان في العمل المكتوب فلا بأس.
وقد مال الكاتب إلى الرأي الأخير، فدخل في عمل شاق لإتقان شخصية عمر رضي الله عنه وسلوكه وآرائه وأقواله وقد تفرغ ستة أشهر لقراءة كل ذلك. واستطاع الجمع بين التعدد والثراء في هذه الشخصية العظيمة ثم تنظيمهما في وحدة فكرية تستقطب كل ما حولها في وعاء تفسيري ودلالي موحد.
ومن أجل تخطي كل هذه العقبات الموضوعية لجأ إلى حيلة فنية تجلب الماضي وتستعيده عبر دالة فنية رائعة وهو (الحلم)، أو (الرؤيا)، من خلال نسق سردي له لغته الخاصة، ورمزيته الأولية ومستوياته البنائية المتنوعة. ومباشرة يتلبس هاجس الحلم بالرواية ويدفع الكاتب إلى أن ينسج سردياته على هذا الأساس الحلمي الذي يؤدي وظيفة مثالية في إنتاج النص المرتكز على شخصية أنموذجية، لا تميل ولا تحيد عن الصواب إلى الخطأ، فالأفق هو أفق حلمي، واللغة الناقلة لهذا الحلم هي لغة رحبة قريبة التناول، تؤدى ببساطة لتعبر عن مرحلة تاريخية حرجة، مازالت آثارها تطبق على الحاضر وربما المستقبل مما يضفي نوعا من الدهشة في تلقي الجو المتوتر التي تموج به الرواية القائمة على التداعيات الحلمية، فقد جسد شاباً فلسطينياً فدائياً يرى في المنام أنه جالس تحت شجرة فيظهر له عمر فجأة ويدخل معه القدس بدون جواز سفر ويتفاجأ بالتغير الذي حدث لها مقارناً بين حالتها التي وجدها عليها في المرة الأولى حين زارها بعد الفتح وما هي عليه الآن. ثم يسجن مع الشاب الفلسطيني الفدائي إثر انفجاراتهما معاً بتدبيره.
وتمضي الرواية تسطر جهاد عمر ومناضلته وحزنه على ما أصاب المسلمين من تمزق وتشرذم سياسي وفكري وتصديه لذلك، ويتلمس بيده مكمن الخلل «الآن عرفت سبب انتصار اليهود عليكم»، ونشرهم الفجور بين ظهرانيكم، الخوف يلد الرذيلة، والهزيمة تمسخ ضعفاء الإيمان، إن من يتعود التقاط الفتات من موائد الأغنياء تسحره كلماتهم وفكرهم وسلوكهم، ويحاول أن يقلدهم، وفي التقليد الأعمى فناء العقل والروح.
هكذا يتحول السادة إلى عبيد «ص 25»،وأشد ما أحزنه وسعى لبعثرته وتغييره هو ارتال الجمود المترسبة في فكر وقلوب بعض علماء المسلمين والخوف الذي يطوقهم، وسلوكهم السلبي تجاه القضية.
يسأل عمر صاحبه عن خطبة الجمعة لماذا أغفلت ذكر الجهاد والشهادة في سبيل الله فأجاب صاحبه: خطيبنا مراقب والسلطات اليهودية تحدد له موضوع الخطبة؟.
- اذن فهم الذين يخطبون.
- حتى في بلاد المسلمين يحدث شيء كهذا..
ويكشف السبب الجامع للنصر أو الهزيمة، قال عمر للفدائي عندما انتابه الخوف «أنتم لا تعرفون الله، { إن تّنصٍرٍوا پلَّهّ يّنصٍرًكٍمً } قول لا يتبدل، لأنه كلمات الحق الأعلى» «ص 36»، وعليهم أن يرجموا المظاهر الخداعة التي تطمر وتغتال الأصل والحقيقة «مساجدكم ضخمة ومنابركم عالية وازدحام العباد يروع البصر.. لكنكم في الحضيض.. تناقض مذهل»، «ص 36»، ويفجعه الحالة التي وصل إليها العالم الإسلامي من المجاهرة بالمعصية والفجور، «كانت الجاهلية أرحم، كان العهر يستتر بالبيوت، لكنه اليوم في الشوارع، ويحميه القانون»، «ص 80».
كما أراد الروائي الكبير من هذا العمل محاولة اختراق الكيان اليهودي فكرياً بعد أن عجزنا اختراقه عسكرياً لذا كثف الكاتب محاورة عمر لكثير من الشباب اليهودي ومجادلتهم في أحقيتهم بالقدس ومصدر عقديتهم وآرائهم ونجح في ذلك حيث أعلن شاب تخليه عن اليهودية والدخول في الإسلام...
وأمام هذا الدور الكبير للخليفة الراشد يحاول اليهود التخلص منه ولكنهم يفشلون ويصر أتباعه على إخراجه من القدس حفاظاً على حياته لكنه يرفض ذلك لأنه لم يتم إبلاغ رسالته، لكن الأتباع يصرون على إخراجه فيرسموا خطة متقنة لتهريبه فيخرج من القدس في وقت يحيك اليهود خطة ماكرة لقتله فيصبح الناس فلا يجدون للخليفة أي أثر...
في هذا السفر قام الكاتب باكتشاف الرابطة القوية المتداخلة بين التصرفات وحركات الأفعال ووضعها في مكانها الصحيح في بؤرة السبب والمسبب، الماضي والحاضر ثم في بؤرة الرؤية المستقبلية، ولا يحصر هذا في إطار الوعي الفردي (البطل/ عمر) بل في إطار الوعي الجماعي...
الشكل الروائي
إن اللجوء إلى المزج بين الماضي/ التاريخ (عمر رضي الله عنه)، والحاضر عن طريق الحلم أتاح للكاتب إمكانيات بنائية كثيرة جعلته يتنقل بين حالات نفسية واجتماعية متباينة واستطاع بفضلها اختراق المستويات الزمانية المتباعدة والحركة بين الحقيقتين الموضوعية والذاتية في آن، فتحقق التلاحم بين دوال النص ومدلولاته، بين الشكل والمضمون، موظفاً عناصر عدة وتقنيات فنية حسنة منها الأسلبة والتهجين والتمترس خلف لغة تجهر بإمكانيات من التسريع في الأحداث الذي يوهم القارئ بأنه ليس هناك فراغات زمنية بين البطل والواقع الحالي بل هو متصل لم ينقطع. كذلك الصراع المتأجج الذي يتمحور أشكالاً وظلالاً متعددة، رغم ما يشب هذا البناء الروائي من هنات تضعف بناء الرواية وتقترب بها من الرواية التقليدية ولعل من أبرز ذلك تلك النبرة الخطابية الحادة من الشخصية الرئيسة (عمر رضي الله عنه) وغيرها في حوارياتها وخطاباتها وكأننا في محفل أو منبر خطابي، وهذه النبرة الخطابية المترعة بالأهمية الموضوعية على صدقها ووهجها لكن لا مكان لها في العمل الروائي القائم على التركيز والإيحاء والبعد عن التقرير. مع إمكانة الجمع بين الوضوح والإيحاء، وهذا ما أتقنه الكاتب في رواياته التالية لهذا العمل.
إن (عمر يظهر في القدس) رواية تستحق القراءة خصوصاً في هذا الزمن الرمادي فما أشبه الليلة بالبارحة..
إن (عمر يظهر في القدس) سفر يضاهي كثيراً بعض الأعمال الروائية التي هي ومبدعها أجهر صوتاً وأبعد صيتاً من نجيب الكيلاني في الساحة الأدبية والنقدية العربية..

«1» بلغت حسب علمي «41» رواية و «7» مجموعات قصصية، و «4» مسرحيات، و «8» دواوين شعرية، و «28» دراسة نقدية وأدبية. وترجمت كثير من رواياته إلى لغات مختلفة، وتناول إنتاجه في أطروحات ماجستير ودكتوراه. (انظر مجلة الأدب الإسلامي. العدد الخاص عن الكيلاني ع / ذو الحجة 1416هـ).
«2» نقد الرواية . نبيلة إبراهيم: 45.
«3» مؤسسة الرسالة، بيروت 1408هـ / 1988م.
منصور بن عبدالعزيز المهوس

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved