دفء الليالي الشاتية رواية للدكتور الناقد عبدالله بن صالح العريني، وقد أهداها المؤلف إلى.. الذين يفضلون أن يضيئوا شمعة بدلا من.. سب الظلام.
وقبل الدخول في تفاصيل الرواية أحداثها وشخصياتها أحب أن أستأنس ببعض الأقوال والآراء حول الرواية. تقول الدكتورة ناديا خوست وهي أديبة سورية «إن الروائيين المعاصرين ما زالوا مبهورين بالغرب ورواياته.. وإن أغلب الروائيين العرب بدأوا من الرواية المترجمة الحديثة» وأثناء قراءتي لرواية دفء الليالي الشاتية وجدت أن الدكتور العريني ليس منهم وأنه من الذين عرفوا أن الأرض العربية «هي أرض تحتضن حضارات ذات تجليات دينية وأسطورية وأجواء روائية وأعماق عاطفية وعلاقات إنسانية مستمرة من عصور ماضية» وأرى الدكتور ومن خلال روايته يتضامن مع الأديبة خوست في صرختها «لسنا كالأصلع الذي يزهو بشعر جاره، بل نحن أقمار في مدارات تستضيء مختارة بالثمار الفكرية العالمية لتقوى اتجاهاتها المتنوعة، ويخترقها العالم أيضا بمنتجاته الفكرية لذلك تبين أن الحفاوة في ساحاتنا الأدبية تشير إلى سطو حاجات واتجاهات محلية وإلى اختراقات بعيدة عنها «وتضيف» انه بامكاننا قياس هواء الأزمنة إذا استعدنا أمثلة من الحفاوة برواية الأرض، ويوميات نائب في الأرياف، وثلاثية نجيب محفوظ، وروايات إحسان عبدالقدرس والسباعي، ودراسات محمود أمين العالم، وروايات ماكيز ثم روايات كونديرا وأمين معلوف والطاهر بن جلوان، والحفاوة في الواقعية والبنيوية وبمصطلحات الحداثة وما بعد الحداثة التجديد والواقع».
ومؤلف دفء الليالي الشاتية أكاديمي وقبل ذلك موهوب وعندما تجتمع الموهبة مع التخصص فمساحة التفاول والأمل تكون شاسعة وساطعة بأن تكون هذه الرواية بذرة لأعمال كبرى ينطبق عليها ما كتبه ذات يوم طه حسين وبالتحديد عام 1957م في كتابه «نقد وإصلاح» على ثلاثية نجيب محفوظ أن هذه الأعمال ترقى إلى أعظم المستويات العالمية في الرواية كما عند بلزاك ودوفستي وأميل زويلا وغيرهم.
ومن الأقوال التي أعجبتني مما قيل عن الرواية قولان: قول وزير المعارف الدكتور محمد بن أحمد الرشيد الذي قال: «اطلعت على تجربة طيبة في مجال الأدب الإسلامي وظفت الإبداع الروائي لتقديم نموذج للعلاقات الإنسانية من منظور أخلاقي هادف يحثنا عليه ديننا الحنيف».
وقول مدير جامعة الإمام الدكتور محمد بن سعد السالم عن رواية أخرى للمؤلف وأرى أن هذا القول يشمل هذه الرواية «فهي محاولة جيدة للمساهمة في إثراء الساحة الأدبية بعمل يساعد على ملء الفراغ الأدبي..» أما عن رسم الشخصيات فنجد المؤلف «لا ينساق وراء المشاهد والصور المؤثرة دون إدراك حقيقي للعلاقة بينها وبين طبيعة الشخصيات التي يصورها» فقارئ الرواية لا يصاب بتشوش الرؤية فهو «يستطيع متابعة الأحداث ضمن سياق فني متماسك، ومتعاضد، تتابع فيه الأحداث، وتلعب فيه الشخوص دورها لتطوير الحدث» وشخصيات الرواية يمثل بطل الرواية عبدالمحسن شخصية الشاب المثقف صاحب القيم الغيور على المبادئ والأخلاق الإسلامية ولا ينسى هذا لحظة واحدة، الهادئ الرزين، الذي لم يحدث عنده صراعات فكرية وثقافية واجتماعية لأنه كان يفيض بالارتواء والامتلاء ولا تهزه هذه التيارات ولا أضواؤها. وهذا يظهر لنا من تصديه ل«بهاء حنا». عندما كال التهم وسخر من الشريعة الإسلامية. «وحين وقف عبدالمحسن أمام الحضور شمل الحاضرين بنظرة رزينة هادئة، ثم قال بهدوء بعد أن حيا الموجودين.
لن أتحدث لكم أيها الحضور الكرام عن جانب تاريخي؛ لأني أعرف أنكم تحبون أن تعيشوا الواقع، والواقع فقط، وترفضون الخروج منه لتذكر الماضي. ولن أجعل حديثي عن المسلمين حين كانوا خير أمة، مع أن تاريخنا جزء في كيان كل مسلم.
ولن أتحدث لكم عن المستقبل مع أن هناك شعوراً يقيناً لدى كل مسلم أن المستقبل لهذا الدين. ومن هنا اسمحوا لي أن أحدثكم عن شيء معاصر لا سبيل إلى انكاره.. سأحدثكم عن جانب الأمن في بلادي، وهو جانب واحد من جوانب الخير إذا ما التزم المسلمون بدينهم».
وهناك شخصية رجالية أخرى وهو وليد ابن خالة عبدالمحسن ووليد ممن ينطبق عليهم القول: «جيل قلق حائر موزع الهوى متصدع الشخصية، ضائع بين القديم والحديث مشتت الفكر والوجدان بين المثل والقيم بين العلم الروحي المتوارث، والعلم المادي الوافد مع حضارة الغرب بين الثقافة العربية الإسلامية.. والثقافة الغربية المتفتحة والتي تزخر بكل معاني الأحلام».
أما الشخصيات النسائية فتوجد «أمل» فهي زوجة وأم شابة وتكرس حياتها لإرضاء زوجها ولكنها بلا شط تختلف عن الأم في عالم نجيب محفوظ التي هي «سلبية غالباً، تعيش لغيرها، فهي ربة بيت مثالية كأمينة في بين قصرين، زوجة مسلوبة الإرادة، طوع، وتمثل أقصى التطرف ناحية التقاليد والعقائد» ولكني أجد أمل أماً وربة بيت مثالية ونشعر بين السطور أنها تملك إرادة وشخصية ووعياً وثقافة وعلماً، وأن جلوسها في البيت قناعة وليس سلبية، وهذا هو الطبيعي وما ينتظر من امرأة في الغربة أن تقدمه لزوجها، صحيح أنها لم تستغل وجودها في أمريكا وتتعلم في مجال «ما» ولكن شخصيتها واضحة وطاغية.
«وإذا كان لشخصيات قصصي أن تضم بعض ملامح من نفسه» فإن عبدالمحسن قد ضم كثيراً من ملامح المؤلف الفكرية والنفسية. وفي سؤال سابق طرحته الجزيرة الثقافية على الدكتور العريني «إلى أي مدى تنجح الرواية في استقطاب ما يمكن أن نقول عنه سيرة ذاتيه؟».
أجاب: «في الأصل وضمن الخصائص العامة لكل فن أدبي فإنه ليست هناك إشكالية في تداخل الرواية مع السيرة الذاتية لأن لكل منهما حدوده ومعالمه وشخصيته المميزة التي تبعده عن الآخر وتعطيه خصوصيته التي يتميز بها.
إن الأجناس الأدبية قد تقترب فيما بينها إلى درجة التماس في بعض أسسها ومقوماتها لكنها لا تتداخل فيما يبدو لي ذلك التداخل الذي يجعل منها إشكالية تحير القارئ فضلاً عن النقاد المتخصصين بهذا الفن.. والملاحظ أن من الممكن في عالم القصة أن يستمد السارد أحداث القصة أو بعض مواقفها منه هو. من حياته التي عاشها ويصور بعض مشاعره، لكنه مع ذلك لا يذهب أكثر إلى الحد الذي تبدو فيه الرواية سجلاً شخصياً لمواقف الكاتب التي مرت به».
وملخص الرواية باختصار شديد أن الشاب «عبدالمحسن» سيبتعث لأمريكا وسيصحب معه زوجته «أمل» وابنته «مناير»، وبالفعل وصل إلى أمريكا وتمر به الظروف والأحداث التي تواجه أي مبتعث من بحث عن سكن وشعور بالغربة، وتسير حياته هادئة لا ينغصها سوى غصات عابرة مثل تعرضه لمحاولة سرقة ومواجهة الدكتور حنّا ومشكلة ابن خالته وليد الذي ابتعث لاحقاً لأمريكا، وكل هذه الأمور حالفه الحظ وحلها وانتصر فيها حتى في الأمور البسيطة التي واجهته مع «مسز بودي» صاحبة السكن وابنتها «جين» انتصر فيها. وعاد بعد سبع سنوات من الدراسة للوطن بعد حصوله على الدكتوراه وقد أحال جليد أمريكا بجده ومثابرته إلى دفء وعطاء.
واحتوت الرواية كثيرا من العمق والأبعاد.. والرواية تستقي مادتها من الحياة فهي كما قال الدكتور حبيب بن معلا المطيري: «لقد مثلت هذه الرواية واقعية إسلامية فريدة، حيث لامست واقع المجتمع السعودي النقي وجسدت حتى في أدق تفصيلاتها ما يدور في الأسرة السعودية من حوارات وهموم ورغبات.
وقد استقت مادتها من حياة الناس، ورسمت شخصياتها من واقعهم حتى انك لتحس عند قراءتها بأن أبطالها من مجتمعك الصغير، يعيشون ما تعيش، ويخوضون التجارب الشعورية ذاتها التي تخوضها.. لقد حقق الدكتور العريني في ر وايته هذه ولادة جديدة حقيقية للرواية السعودية».
وبهذا الرأي أختم قراءتي في الرواية. وبلا شك «دفء الليالي الشاتية» تعد إضافة مهمة للمكتبة العربية في مجال روايات الأدب الإسلامي.
منيرة سعد السعران
المراجع
1- رواية دفء الليالي الشاتية للدكتور عبدالله العريني.
2- جريدة الرياض العدد 12337 السنة التاسعة والثلاثون.
3- جريدةالجزيرة العدد 10766 السنة 1423هـ.
4- تطوُّر الرواية العربية الحديثة للدكتور عبدالمحسن طه بدر.
5- دراسات في القصة العربية الحديثة للدكتور محمد زغلول سلام.
6- الشخصية وأثرها في البناء الفني لروايات نجيب محفوظ للدكتور نصر عباس.
7- اتجاهات القصة المصرية القصيرة للدكتور سيد حامد النساج.
|