* القاهرة - مكتب «الجزيرة»، شريف صالح:
شهادة جديدة يقدمها طبيب وعالم كبير هو جان شارل سورينا عن فضل الحضارة العربية والإسلامية على الغرب وعلى العالم أجمع. فعندما قرر جان سورينا أن يكتب موسوعة موجزة عن تاريخ الطب في العالم خصص فصلا كاملا لكبار الأطباء العرب والمسلمين في العصر الوسيط. وخيرا فعل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت حين ترجم هذه الموسوعة الموجزة بقلم الدكتور إبراهيم البجلاتي، ضمن سلسلة عالم المعارف، تحت عنوان: «تاريخ الطب: من فن المداواة إلى علم التشخيص»، ويضم الكتاب ثلاثة عشر فصلا ترسم جميعها خريطة شديدة الإيجاز لأهم المراحل التي قطعها البشر من أجل تخفيف الآلام والكشف عن أسباب المرض، فوسائل التطبيب ومبادؤه لم تنشأ فجأة، وليس صحيحاً أن الطب بدأ مع الحضارة الغربية فقط. هذا ما يؤكِّد عليه بوضوح مؤلِّف الكتاب، فأغلب الحضارات القديمة كالمصرية وما بين النهرين والصينية عرفت بعض فنون المداواة والعلاج، بل إنسان ما قبل التاريخ كان يعالج بعض الآلام بنجاح وبراعة. فمن خلال الهياكل العظمية المكتشفة لإنسان ما قبل التاريخ تبيَّن أنه كان يعرف كيف يرد كسور العظم، واتسمت الجماجم بوجود ثقوب كثيرة بها ولا يعرف هل هذه الثقوب نتيجة اصابات عابرة أم كانت بفرض علاجي؟ يرفض المؤلف ما يردده الغرب المغتر بتفوقه أن المبادئ العلاجية وفنون الطب نشأت في الحضارة الغربية فقط، بحجة أن المبادئ التقليدية العلاجية في آسيا وأفريقيا والأمازون لا تقوم على تقنيات تجريبية. ويقرر المؤلف نفسه - وهو فرنسي ابن الطب الغربي- أن هذا الطب «العالمي»، الآن كان مثل غيره من أنواع الطب الأخرى إثنيا وسحرياً ويعتمد على التعاويذ، لأن الإنسان - ما زال حتى الآن- يلجأ إلى بعض المناهج شبه الطبية خاصة حين يشعر أنه ضائع لا محالة، مثل الاعشاب المنقوعة أو الينابيع الحارة أو ما يسمى بالطب الشعبي. كما ان الإنسان عادة يضفي قوة سحرية على ما لا يستطيع فهمه. ويخلص المؤلف إلى نقد العقلية الغربية الدكتاتورية مؤكداً أنها ليست بالضرورة عالمية وأن كل جماعة من الناس تصيغ نظامها الطبي وفق ثقافتها، على حين أن الإنسان الغربي لا يستطيع أن يتعايش مع أي منطق آخر مختلف عنه. وفي إطلالة عن الطب في الهلال الخصيب- الواقع بين جبال زاجروس وجبال أرمينيا وسواحل البحر الأبيض وشبه جزيرة سيناء والصحراء العربية والخليج العربي، متمركزا في وديان دجلة والفرات، حيث حضارات بابل آشور، يشير فحص النصوص والمقابر إلى أن معدل الحياة لم يكن طويلاً وكان الناجون من الحروب يعانون دائما من هجمات الملاريا والجدري ووفيات الأطفال، وأقدم الوثائق الطبية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وكان ينظر إلى الخطيئة على أنها وراء المرض دائماً. وفي شريعة حمورابي «القرن 17 ق.م»، التأكيد على المقابل المادي نظير إجراء عملية جراحية ناجحة وكذا العقاب في حال الفشل، أما الطب المصري القديم فأغلب المعلومات الواردة عنه مستقاة من بردية إيبرز- متحف ليبزج- وبردية إدوين سميث، ومنهما يتضح براعة المصريين في التشخيص المبكر للحمل والاهتمام بعلم أمراض النساء والمسالك البولية والتشريح والعظام، وهناك وصفة من بردية أيبرز- لعلاج الثعلبة تجمع بين التغريم والمرهم. ويخرج المؤلف بسؤال شائك: إذا كان أجداد البشرية وصلوا إلى مبادئ طبية رائعة قبل ثلاثة آلاف سنة، فلماذا لم ينجبوا سوى ورثة باهتين اكتفوا بنسخ المخطوطات؟!.
أما الطب في بلاد الاغريق فهو يجمع بين الأسطورة والفلسفة، ويبدأ الطب الإغريقي تاريخه بأسطورة اسكبيوس الذي تعلم علاج المرض بالكلمة والأعشاب والسكين وأصبح رمزاً للشفاء والصحة، وأطلق اسمه على من يمارسون تلك المهنة «اسكلبياد»، وهم طائفة منظمة عند الإغريق والرومان. ومن أشهر أطباء الاغريق «أبو قراط»، أبو الطب الذي قدم نظريات مفيدة وتركيبات دوائية وولد على سواحل آسيا الصغرى «054 ق. م»، ورغم ما يحاك حول شخصيته من أساطير فإن هناك مدونة منسوبة إليه في حوالي ستين صفحة تشمل مجموعة من النصائح والحكم والملاحظات منها أصلح ببطء الجسم الذي ينحف بسرعة، وأصلح بسرعة الجسم الذي يهزل في وقت قصير. اشتهر بين الأطباء ما يعرف بقسم أبو قراط «أقسم بأبوللون، طبيبا، وبأسكولاب، وهايجي، وبانسيه، بكل الآلهة وكل الآلهات المستشهد بهم أن أفي قدر جهدي وطاقتي بالقسم والتعهد التاليين: أن أضع معلمي في الطب منزلة والدي نفسها، وأن أشاركه علمي وإذا اقتضى الأمر، أن ألبي، احتياجاته، متخذا من أبنائه أخوة لي، وإذا رغبوا في تعلم الطب أن أعلمه لهم من دون مقابل أو رهن، وأن اشارك في التعليم وفي الدروس الأخلاقية وأن أفيض بعلمي على أبنائي وأبناء معلمي وعلى التلاميذ الذين أتعهدهم، قسم يتبع قانون الطب وليس أي شيء آخر». الطبيب الإغريقي الشهير بجانب أبو قراط هو جالينوس «131م»، الذي طاف بمدن البحر الأبيض المتوسط كلها وعارض أفكار أبو قراط كثيرا، مارس التشريح على بعض الحيوانات وتحدث عن الدورة الدموية والأحلام على حين احتقر الجراحة. وفي العهد الوسيط يتحدث المؤلف عن الطب عند البيزنطيين واليهود والمسيحيين، ثم يفرد قسما كبيرا للطب عند العرب والمسلمين، فيتحدث عن مبادئ الصحة العامة في القرآن قائلاً: «كما نصح القرآن - بحق- بالاعتدال في المأكل وفي النهي عن تعاطي المواد المثيرة للنشوة مثل الخمر والكيف والحشيش، كما نجد في القرآن أيضا بعض المبادئ الأولية للصحة الغذائية والجسدية».
ثم يشير المؤلف إلى احترام المسلمين للثقافات الأخرى كالإغريقية والفارسية ونهضة الترجمة في مجالات الطب والفلسفة، وظهرت أسماء عالمية من الأطباء العرب أمثال حنين ابن اسحق الذي كان طبيبا لستة خلفاء عباسيين، والطبري «800-870م»، الذي حرر كتابا ضخما هو «فردوس الحكمة»، مزج فيه بين الطب وعلم الاجتماع، وبين علم الأجنة والفلك، وتتضح معرفته العميقة بالطب الهندي على وجه الخصوص. أما الرازي المولود عام 825م فكتب العديد من المصنفات الطبية عن النفوس وحصوات الكلى والمثانة والجدري والحصبة، ويعد كتابه «الحاوي»، موسوعة طبية، كما أنشأ مستشفى كبيرا ببغداد، ويقال إن رسالته في الجدري والحصبة طبعت بالإنجليزية وحدها أربعين مرة فيما بين 1498م - 1866م.
أما ابن سينا صاحب «القانون في الطب»، الذي يقدم مرجعا شاملاً لكل أمراض الإنسان من الرأس إلى القدمين، فقد ظل كتابه طيلة ثمانية قرون هو المرجع الرئيسي للطب الغربي ومادة تعليمية في الجامعات، وإن كان المؤلف يقر بابن سينا فيلسوفا أكثر منه طبيبا، على حين يرى أن الرازي هو الطبيب الأعظم في الحضارة العربية. ولا يفوت جان سورينا الإشارة إلى أسماء أخرى لامعة في سماء الحضارة العربية والإسلامية وفي تاريخ الطب العالمي أمثال ابن البيطار وابن بطلان وابن النفيس الذي وصف الدورة الدموية قبل وليم هارفي بمئات السنين. وفي خاتمة المطاف يأسف المؤلف على الصمت الذي خيَّم على الشرق العربي مع الهجوم المغولي وما تلاه من منعطفات سلبية، ثم ينتقل إلى الطب العربي في الأندلس مشيدا بجهود الزهراوي وابن زهر وابن رشد وابن الخطيب وغيرهم، مؤكداً على أن اللغة العربية كانت همزة الوصل بين الحضارات الإسلامية والعربية كانت حلقة وسطى في تاريخ الحضارات العظيمة التي أنارت طريق الإنسانية، وبعدها يواصل رحلته التاريخية الممتعة وصولا إلى الطب حاليا وما يقال عن طب المستقبل وبيولوجيا الجزيئات، فيرى أن التراكم المعرفي أدى إلى إحراز العديد من النجاحات المتميزة في صراعنا ضد المرض، لكن رغم ذلك توجد العديد من الأسباب التي تدعو إلى عدم الطمأنينة، فمثلاً من أجل التغلب على التقلبات الجوية ابتكرنا تكييف الهواء الذي أدى إلى ظهور أوبئة قاتلة عن جراثيم لم تكن معروفة مثل «الجينولا»،
فالإنسان يمتلك ولعا بأشياء لا يستطيع تقدير عواقبها، لذلك ورغم توصله للعديد من وسائل العلاج ما زال مدمنا للكحول والتدخين والمخدرات بنسب ضخمة، ولم ينجح أي اكتشاف مبهر في أن يحرره من القلق. باختصار ما زال في جعب الطب الكثير الذي يستطيع أن يقدمه من أجل بقاء البشر أحياء وما زال تاريخه بعيداً عن الاكتمال.
|