م/ عبدالرحمن بن عبدالله النور
استكمالا للحلقتين السابقتين حول استراتيجية تعدين معادن الأرض واستراتيجية تعدين معادن الرجال ننهي الطرح بالآتي كحلقة أخيرة.
سؤال استراتيجي مهم يقف في وجه هذا النفق، هل هناك معادن استراتيجية؟ والمقصود من السؤال هو هل هناك معادن تلعب دورا مختلفا وخاصا يجعل من عملية التركيز على تعدين تلك المعادن أمرا استراتيجيا من وجهة نظر الدولة؟ الجواب على هذا السؤال الإستراتيجي مهم جدا، وإذا كان الجواب بالإيجاب، فما هي تلك المعادن الإستراتيجية؟ وما هي المعادن التي يعتبر أمر تعدينها حاليا أمرا استراتيجيا، وماهي المعادن التي يعتبر تركها في مخابئها داخل الأرض أمرا استراتيجيا. من الأخبار المذكورة عن التعدين لدينا يلاحظ القارئ التركيز على تعدين معدن الذهب.
وكما هو معروف فإن للذهب قيمة نقدية مهمة في احتياطيات الدول النقدية في بنوكها والبنوك العالمية، هذه معلومة تقليدية، وذلك تفكير تقليدي، قبل 15 عاما كانت الأونصة الواحدة من الذهب تباع بسعر لا يقل عن 350 دولار، ثم بدأت أسعار الذهب بالانخفاض لتصل إلى سعر 250 دولار للأونصة في أيامنا هذه، هذا الانخفاض في سعر الذهب يلغي أسطورة الذهب النقدية، وأنه من المعادن التي تحتفظ بقيمتها مهما أكل عليها الدهر وشرب، المسألة برمتها مسألة اقتصادية، تستطيع مثلا تعدين معدن خاص، تكلفة تعدينه قليلة وسعره في الأسواق عالٍ جدا، ومن ثم بيعه بسعر مرتفع جدا في السوق العالمية، وشراء بمقابل ذلك المبلغ ما تشاء من الذهب أو الإيداعات البنكية مع تحقيق ربحية عالية، مثل هذا التصرف يبقي الذهب في مكامنه في الأرض لعل المستقبل يكون واعدا لترتفع أسعار الذهب أو تنخفض تكاليف استخراجه وتعدينه بتقدم التكنولوجيا وتقنياتها، ويكون بذلك الذهب معدن استراتيجي للأجيال القادمة في وقت استراتيجي مهم، يقول رئيس معادن: «إن دراسات الجدوى لمشروع الآمار قامت على أساس 310 دولار للأونصة ولكن في الوقت الحاضر انخفضت الأسعار إلى 252 دولار للأونصة فأصبح المنجم غير مجد ورغم ذلك سنقوم خلال ثلاثة أشهر بدراسة نهائية حول مدى إمكانية الاستفادة منه ايجابيا».
ويقول أيضا : «تدني أسعار الذهب يؤثر على صناعة التعدين في العالم . خاصة وأن المناخ الاستثماري لقطاع التعدين في المملكة يفتقر الى التجهيزات الأساسية في مناطق عديدة على عكس تجربة سابك». إذن لماذا هذا الإصرار على حلب كل قطرة ذهب في أرض هذا الوطن، هل نحتاج الى الذهب الآن. وهو لا يكاد يغطي تكاليف استخراجه؟ أم ندعه لأجيال قادمة تحتاج إلى كل ريال لإعاشة أسرها في وقت يكون من يعمل في التعدين 100 % من المواطنين السعوديين حتى لو لم يحقق وقتها المنجم ربحية كبيرة، بل تكفي إعاشته لأكبر عدد من المواطنين، هذه هي النظرة الإستراتيجية المطلوبة من صناعة التعدين لدينا، وهو أمر يجعل من الذهب معدنا إستراتيجيا مهما يجب أن يبقى في مخازن الأرض إلى حين. سؤال آخر، هل الحديد معدن عادي أم معدن إستراتيجي؟
إذا كان معدنا استراتيجياً، فهل يجب تعدينه في الوقت الحاضر أم تأجيل ذلك إلى المستقبل وظروف المستقبل؟ ليس هناك أدنى شك من أن معدن الحديد، معدن القوة والبأس الشديد، من المعادن الإستراتيجية المهمة التي تدخل في عدة صناعات، ولكن هل حان وقت تعدين خام الحديد؟! عندما سألته جريدة المدينة في المقابلة المذكورة سابقا من أنَّ هناك أقوالاً تشير الى أن استيراد الحديد الخام من البرازيل الى الجبيل لتصنيعه في شركة حديد أقل تكلفة من إنتاجه من وادي الصواوين».
يقول مدير شركة التعدين الوطنية المحدودة الأستاذ العمران: «أعتقد أن استيراد الحديد الخام من البرازيل الى الجبيل يكلف حوالي 40 دولارا للطن الواحد ونحن نعتقد من خلال دراساتنا الأولية عن وادي الصواوين أننا قادرون على إيصاله الى الجبيل بأقل تكلفة من هذا المبلغ ما بين 2-3 دولارات لسعر البيع ...».
وسؤالنا الآن هو : هل فرق 2-3 دولارات يعتبر مجديا اقتصاديا لتعدين الحديد بدلا من استيراده من البرازيل ، صحيح أن شركة التعدين الوطنية ستحقق ربحا ماديا من تعدين الحديد وبيعه الى شركة سابك أو غيرها، ولكن من وجهة النظر الاقتصادية الوطنية الشاملة، فإن شراء الحديد من البرازيل وترك معدن الحديد في أرضنا للمستقبل يجعل من الحديد مع مرور الوقت معدنا استراتيجيا مهما بالنسبة لنا فإذا زادت أسعار الحديد الأجنبي زيادة كبيرة فإن تعدين الحديد لدينا يصبح خيارا إستراتيجيا. وإذا كان العكس فإن وجود ثراوتنا من المعادن داخل مستودعاتها الطبيعية يعتبر ادخارا حقيقيا للمستقبل واجيال المستقبل، حسب استراتيجية «دعوه في سنبله»، مثل هذه النظرة الإستراتيجية هي ما يجب أن يحكم استراتيجية اقتصادنا واستراتيجية صناعة التعدين، وما يجب أن يحكم تصنيف المعادن لدينا وبالتالي تحديد ما هو معدنا استراتيجيا مهما يجب ادخاره وما يجب تعدينه في الوقت الحاضر، هذا هو نفق المعادن الاستراتيجية، وهو نفق يحتاج إلى إعداد قائمة بأولويات ومبادئ تحديد المعادن الإستراتيجية وتوقيت تعدينها، ومن هذا النفق نعبر إلى نفق الشريك الأجنبي الاستراتيجي، وما هي معوقاته وعقباته وكيف يمكن التغلب عليها؟ الشريك الإجنبي والتعدين سؤال يعترضني في بداية هذا النفق: هل وجود شريك أجنبي في صناعة التعدين لدينا أمر ضروري للغاية؟ وهل ضرورة وجود شريك أجنبي في صناعة التعدين هو ضرورة هندسية فنية. أم ضرورة سياسية، أم ضرورة اقتصادية، أم غير ذلك؟!
ورد في خبر صحفي منشور: «وأكد رئيس شركة معادن أن معادن عازمة على تطوير مشروع الفوسفات سواء بالتوصل الى تفاهم مع شركة أي إم سي أو بدونها . ووصف الحوار مع الشركة بأنه لم يتوصل إلى نقاط تفاهم محددة حتى الآن ...».
ويقول خبر آخر نشر في جريدة الوطن : «تعمل شركة التعدين العربية السعودية (معادن) للدخول في شركات تضامنية مع شركات عالمية تتوافر بها خبرات مميزة في مجال التعدين وتساهم في تسويق منتجاتها من المعادن عالميا».
وذكر الأستاذ عبد العزيز عمران العمران مدير عام شركة التعدين الوطنية المحدودة: «أن شركته تريد الحصول على امتياز تعدين وادي الصواوين بعد أن انسحبت شركة كوخ الألمانية من الدخول في عملية تعدين لمشروع حديد وادي الصواوين».
السؤال الإستراتيجي المهم الآن هو لماذا تهرب هذه الشركات الكبيرة من الدخول في شراكة مع الشركات المحلية الوطنية السعودية؟ وما هو الغرض من ركضنا خلف شريك أجنبي للدخول معنا في صناعاتنا المختلفة؟ هل الغرض من الشريك الأجنبي هو تسويق المنتجات فقط؟ أم أن هناك فوائد أخرى تتوقعها صناعة التعدين لدينا بالمملكة ؟، الواقع أن أهم فائدة من الشريك الأجنبي هي الاستفادة من الخبرة الفنية له، والخبرة الإدارية، والاستفادة من ثقله السياسي العالمي،وهذا الأمر يشير بوضوح إلى أن شركة معادن وهي التي تعتبر الشركة الرئيسية لدينا ويتم دعمها من قبل الدولة بشكل كبير لا تملك الخبرة الفنية الكافية لإدارة مشاريع تعدين كبيرة وحساسة، وهذه الشركة لا تملك ثقلا استراتيجيا عالميا، أي أن هذه الشركة ما زالت في طور النمو، فكيف لها أن تقيم وتدير مشاريع تعدين جبارة بحجم مشروع الفوسفات بالشمال، وفي خبر آخر، ( وصف رئيس معادن كيف صار لشركة بوليدن أن تبيع حصتها إلى شركة معادن وتغادر البلاد )، هكذا فقط بكل سهولة، لماذا لم يرغب الشريك الأجنبي بالاستمرار؟ هل لأن منجم الصخيبرات لم يعد يحقق الربح المأمول؟ أم أن هناك ظروفاً سياسية اضطرت الشركة للمغادرة؟ أم أن هناك أمورا فنية أخرى مجهولة ليست ضمن حساباتنا؟ هذه هي الأسئلة المهمة الآن ولمعرفة مشكلة عدم رغبة الشريك الأجنبي بالحضور والدخول معنا في شراكة استثمارية للتعدين، فإنه يجب الحديث عن طرق الشريك الأجنبي في تحديد مدى جدوى الدخول في شراكة مع أي شركة وطنية في أي صناعة وطنية، عندما تريد شركة عالمية الدخول في صناعة وطنية في المملكة مثلا فإنها تقوم أولا بحساب ربحية المشروع ثم تقوم هذه الشركة بتقييم الوضع السياسي للحكومات التى تريد العمل داخل بلدانها. ودراسة الحالة السياسة والتوجهات السياسية العالمية داخل المنطقة برمتها، المنطقة العربية بشكل عام والمنطقة الخليجية بشكل خاص، وما يمكن أن تتعرض له هذه المنطقة من نكسات. وتقوم هذه الشركة أيضا بتقييم الوضع الاقتصادي للدولة وتوفر مقومات اقتصادية وقوانين واضحة ونظام صارم لا يعرف المجاملات، وتقوم الشركات الأجنبية العالمية بتقييم قدرة الشركة الوطنية التى تريد مشاركتها، وتحديد مدى قدرة هذه الشركات الوطنية لتقديم وفهم الدور الفني المطلوب منها، وتقييم فهمها ومقدرتها الإدارية، وتقييم ثقلها السياسي داخل حكومتها . كل هذه العوامل تؤثر على رغبة الشريك الأجنبي للدخول في شراكة مع شركات وطنية من عدمه، وهي الأمر الذي يؤثر على صعوبة أو يسر شروط الشراكة ويؤثر على هامش الربح المطلوب من قبل الشريك الأجنبي ويرفعه إلى معدلات أعلى بكثير مما يمكن أن يرضى به الشريك الأجنبي فيما لو قام ذلك الشريك الأجنبي بتلك العمليات الاستثمارية داخل وطنه، هذا هو الذي يعكس ما حدث مع شركة أي ام سي و مع شركة بوليدن السويدية ومع شركة كوخ الألمانية، يقول عبد العزيز العمران مدير شركة التعدين الوطنية المحدودة في المقابلة المذكورة سابقا: «إن الدراسة الأولية التي أجرتها شركة الصلب البريطانية قدرت تكاليف مشروع حديد وادي الصواووين بحوالي 550 مليون دولار أمريكي، بينما قدرت شركة التعدين الوطنية المحدودة تكاليف المشروع بحدود 300 مليون دولار». هذا الفرق الكبير بين التقديرين يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن الشركات الأجنبية تأخذ احتياطاتها في تقدير التكاليف بالمبالغة بها، احتياطا لمجموعة أمور ذكرتها، وتقوم بتحميل مخاوفها على جميع تكاليف بنود المشروع، ورغم ذلك تأتي فجأة بطلب الانسحاب دون إبداء الأسباب الحقيقة وراء طلبها الانسحاب من الشراكة، وللتغلب على هذه الأمور يجب علينا أولا أن نقيم ونحدد ما هو نوع الخبرة الفنية المطلوبة من الشريك الأجنبي في عمليات التعدين ؟ وما هو نوع الخبرة الإدارية المطلوبة أيضا؟ هل الخبرة الفنية المطلوبة تتمثل في عمليات استكشاف المعادن وتقييم كمياتها بشكل نهائي؟، أم في عملية استخراجها من الأرض؟ أم في عملية التصنيع والتكرير النهائية، أم في كل ذلك جميعا؟. والسؤال بطريقة أخرى هو : ما هي الخبرات الوطنية الموجودة لدينا وتجعلنا نقصر الخبرة الأجنبية المطلوبة على واحد أو جزء من هذه المجالات فقط، الخبرة الفنية لها كلفة عالية، مما يحتم ضرورة وجود خبرة محلية تدفع القطاع الخاص للقيام بعمليات تعدينية ناجحة ومثمرة، هذا هو ما يزيد من فرص الحصول على شريك أجنبي . أن تكون قويا بما فيه الكفاية اقتصاديا وفنيا وإداريا وسياسيا، حسنا، كيف سنمضي في صناعة التعدين دون وجود الشريك الأجنبي، و إذا كان الغرض من الشريك الأجنبي هو الخبرة الفنية ومقدرة البيع في السوق العالمية، فكيف ستتم خصخصة شركة معادن وهي تفتقد لضروريات إدارية وفنية وتسويقية؟
وكيف ستمضي شركة معادن في عملية الخصخصة في ظل هذه المعوقات؟ هذا يقودنا إلى نفق الخصخصة لدينا وهو نفق مظلم لا يكاد المرء يتبين الأمر فيه.
التعدين والخصخصة
سؤالان يسدان وجه هذا النفق و
يجذبان الاهتمام لمنح بعض الوقت لبعض التفكير وهما: هل يمكن خصخصة معادن حاليا؟
ومتى يجب أن تكون خصخصة معادن؟ يقول رئيس شركة معادن في حديثه لرجال الأعمال في غرفة التجارة بجدة: «إن الرؤية المستقبلية لشركة معادن تتركز رغبتها في أن تكون شركة تعدين عالمية محققة للأرباح ومتعددة الأنشطة تعمل بكفاءة وفعالية ....
وكشف رئيس الشركة أنه يتطلب من الشركة وفي غضون عامين أن تقدم توصية واضحة لمجلس الوزراء لتخصيص أسهمها وخلاصة تطور علاقة الشراكة مع القطاع الخاص في المشاريع القائمة حاليا وسيقدم هذا النموذج الخاص بالتخصيص في عام 2003 م»، إن تخصيص أي نشاط اقتصادي حكومي أو شبه حكومي في ظل عدم وجود القدرة الفنية الكافية والقدرة الإدارية والقدرة السياسية والقدرة التسويقية يسبب فشلا يتبعه انهيارات متتابعة، وهذه الانهيارات قد تشل صناعة التعدين برمتها في حال حدوثها في مشاريع تعدينية جبارة مثل مشروع فوسفات الجلاميد. إذن هل يمكن لنشاط حديث عبر شركة تم إنشاؤها منذ أربع سنوات فقط أن ينجح في الخصخصة، في ظل وجود ثغرات كثيرة؟ ما هو تأثير نجاح الخصخصة من عدمه على رغبة الشركات الأجنبية في الدخول كشريك مع شركاتنا المحلية؟ ما هو مدى تحقيق معادن للعمل بكفاءة وفعالية ؟ وما هو مفهوم الكفاءة اوالفعالية لدى معادن، هذه جملة أسئلة مهمة لعلها تنير لنا الطريق، وتجعلنا نتريث قليلا في تخصيص شركة معادن، هذه بعض التأملات حول بعض إستراتيجيات صناعة التعدين، وهي تأملات تدعو للتساؤل عن دور مجلس الاقتصاد الأعلى في عملية التخصيص. ودور المجلس الأعلى للبترول والمعادن في صناعة التعدين لدينا ورسم سياساتها؟ وما مدى تكامل دوريهما معا لتحقيق المطلوب؟
إستراتيجية التعدين والمجلس الأعلى للبترول والمعادن / مجلس الاقتصاد الأعلى
عندما قامت الدولة رعاها الله بتأسيس المجلس الاقتصادي الأعلى كان الهدف رسم وتوجيه سياساتنا الاقتصادية، إلا أن هذه السياسات الاقتصادية تتداخل وتتقاطع مع السياسات الاقتصادية الأخرى لنشاطات أخرى. وإذا كان المجلس مسؤولا عن وضع استراتيجية التخصيص لدينا، فما هو دوره في تخصيص شركة معادن؟ و ما هو دور المجلس الاقتصادي الأعلى في رسم سياسة اقتصادية لقيام صناعة التعدين؟ وعندما قامت الدولة بتأسيس المجلس الأعلى للبترول والمعادن، فإن ذلك كان لخدمة هذين القطاعين، قطاع البترول وقطاع المعادن، فما هو دور المجلس الأعلى للبترول والمعادن في رسم سياسة صناعة التعدين لدينا ووضع الإستراتيجيات لها في ظل معمعة قضايا البترول المتشعبة ؟ وكم يقضي المجلس من الجهد و الوقت لدراسة و مراجعة ما يحدث لنشاط التعدين لدينا ؟ إذن السؤال الآن هو: من المسؤول عن وضع استراتيجية التعدين، ورسم سياسة التعدين السعودية؟ وكيف يمكن التنسيق بين هذين المجلسين لخدمة صناعة التعدين دون ضياع المسؤولية بينهما؟! وإذا كان التنسيق ضروريا بين هذين المجلسين، فماذا عن التنسيق بين الجهات الخدمية الأخرى وشركة معادن ووزارة البترول والثروة المعدنية لتكامل وتضافر الجهود، والخطط نحو بناء الخدمات الضرورية في البنية الأساسية التى تحتاجها صناعة التعدين ؟ هذا سؤال يقودنا إلى نفق الطرق والنقل ودورهما في صناعة التعدين كرافدين لهذه الصناعة.
الطرق والنقل وصناعة التعدين
قبل أكثر من سبع سنوات، كانت هناك زيارة مقررة لمسؤول كبير لمنجم الصخيبرات بمنطقة القصيم. كان الطريق المؤدي إلى المنجم ترابيا بطول 36 كيلو متراً تقريبا، مما اضطر بترومين في ذلك الوقت إلى الإسراع في إنشاء طريق أسفلتي يربط المنجم بشبكة الطرق بالمملكة، وكان ذلك رحمة من الله لمنسوبي المنجم ومعدات النقل لديهم، خصوصا أن الطريق الترابي يزيد من تكاليف النقل وصيانة معدات النقل . فكيف تقرر إنشاء منجم في منطقة لا يمكن الوصول إليها بسهولة؟! وكيف يمكن أن تكون حركة تنقل منسوبي المنجم والآليات ميسرة دون وجود طريق ينشأ حسب مواصفات جيدة ومقبولة تتناسب وحركة الأحمال المتوقعة، في حال وجود مثل تلك الأحمال ؟!.
وفي زيارة لفريق صحفي لمنجم الحجار في بيشة، ذكر ذلك الفريق: «أن المنجم يقع بين جبال متسلسلة ويقع بين جبلين هما جبل الحجار الجنوبي وجبل الحجار الشمالي، وأن الطريق إلى المنجم غير معبد ويخلو من اللوحات الإرشادية»، هذا الخبر يطرح السؤال التالي: من المسؤول عن إنشاء طرق تربط مواقع التعدين بشبكة الطرق الرئيسية، هل هي وزارة المواصلات كجهة رسمية مسؤولة عن الطرق لدينا، أم وزارة البترول والمعادن، أم هي شركة معادن؟ وجود مناجم في مناطق غير مخدومة بطرق مسفلتة حسب مواصفات جيدة يوحي بعدم وجود التخطيط المطلوب وضياع مسؤولية إنشاء الطرق المطلوبة، ويوحي بعدم وجود تنسيق بين قطاعاتنا ذلك التنسيق الذي يجعل من عمل تلك القطاعات عمل متكاملاً وناجحاً . سؤال مهم آخر: هل إنشاء خط السكة الحديد استرتيجية وطنية للتعدين أم ضرورة للنقل العام الوطني ؟ يقول رئيس معادن :" إن انشاء سكة حديد الشمال التي تمتد من منطقة الجلاميد في الشمال مرورا بحائل والقصيم وترتبط بخط الرياض- الدمام الحالي لتصل إلى الجبيل قدرت تكلفة انشائه بنحو 2 ،1 مليار ريال ( حسب ما ورد في الخبر المنشور في جريدة الرياض / العدد 11973 السنة الثامنة والثلاثون). وقال إن دراسات وزارة البترول قبل عشر سنوات كانت تهدف إلى نقل الخام بواسطة الأنابيب ولكن وجدنا أن إنشاء شركة للسكك الحديدة سوف تساهم في تأسيسها مهمة لقطاع النقل وفي التنمية الاجتماعية والاقتصادية صناعيا وتجاريا للمنطقة التي سيمر منها الخط ....وتوقع رئيس معادن أن يتم خلال سنة البدء في تأسيس شركة السكة الحديد»، كان ذلك التصريح قبل سنة من تاريخ اليوم أي بتاريخ 11 محرم 1422ه.
وقد مر عام دون أن نسمع عن تأسيس مثل هذه الشركة، ثم في تصريح آخر ذكر رئيس معادن أن الشركة تفكر في استخدام النقل بواسطة الأنابيب ما يعنى إلغاء فكرة سكة الحديد ولو من وجهة نظر مسؤولي شركة معادن، هل هناك تخبط في اتخاذ القرار بسبب نقص المعلومات الفنية اللازمة أم أن سبب قلة خبرة الشركة الفنية والإدارية لاتخاذ مثل هذه القرارات هي السبب؟!.
المشكلة هي أن قرار إنشاء سكة حديد ليس قرارا مقصورا على وزارة البترول والمعادن ونشاط التعدين فقط، بل إن لوزارة المواصلات دورا رئيسا في هذا الأمر. ثم أن الجدوى الاقتصادية لإنشاء مثل هذه السكة الحديد يحددها مدى تحقيق مشروع الجلاميد للربح المتوقع منه أي مدى نجاح معادن في إتمام القيام بالمشروع وإدارته وتشغيله بكفاءة عالية، خصوصا إذا لم يكن هناك شريك أجنبي قوي.
سؤال آخر: هل الأرقام المقدمة من قبل وزراة البترول ومعادن أرقام وإحصائيات موثقة ويمكن الاعتماد عليها للمغامرة في إنشاء سكة حديد، خاصة أنه إلى جوار هذه السكة المقترحة يوجد شبكة طرق سريعة وعملاقة تربط منطقة حائل بالقصيم ثم بالرياض فالمنطقة الشرقية على مستوى النشاط التجاري والاجتماعي لأبناء تلك المناطق.؟! ولنا جميعا أن نتساءل: هل هناك برامج وخطط لدى وزارة المواصلات فيما يخص نشاط التعدين في المملكة العربية السعودية؟ هذا هو نفق الطرق والنقل وصناعة التعدين، وهو نفق لم يتم التخطيط له بشكل جيد، إلا أنه يقودنا للحديث عن صناعة التعدين وصناعة مدن التعدين السعودية.
صناعة التعدين و مدن التعدين السعودية
يقول الخبر المنشور عن الفوسفات في شمال المملكة: «إن هناك 400 مليون طن من خام الفوسفات )، أي أننا نتحدث عن عملية تعدين ضخمة قد تحتاج إلى أكثر 3000 وظيفة، وهذا الرقم قد يعنى 3000 أسرة، أي أننا نتحدث عن إنشاء مدينة صغيرة، هذه المدينة ستكون منجما آخر لمزيد من الأسر ولمزيد من النمو، ومن ثم فإنه سيكون هناك أكثر من مدينة تعدين منتشرة في جميع أنحاء المملكة، إذن ما الذي يجعل من إنشاء مدن التعدين قضية تحتاج إلى النقاش خصوصا وأن لنا تجربة كبيرة مع المدن الصناعية في كل من الجبيل وينبع؟ كما هو معروف فإن المدن الصناعية لدينا أنشأت لتبقى إلى ما شاء الله . أي أنَّ عمر هذه المدن مديد بعمر الصناعة التي تقوم عليها. أما عمر مدن التعدين فإنه يرتبط بعمر المنجم، فإذا كان عمر المنجم 20 سنة فإن مدينة التعدين لذلك المنجم ستبقى 20 سنة، المشكلة تكمن في كيفية تأمين حياة هذه المدينة بعد انتهاء عملية التعدين، هل ستغلق هذه المدينة تماما، أم أنه سيتم ضخ الحياة مرة أخرى لهذه المدينة بتحويلها مثلا إلى مدينة تجارية، إذا كانت ذا موقع تجاري جيد، أو تحويلها إلى مدينة صناعية، أو مدينة جامعية أو مدينة طبية أو غيره؟ هل سيكون من ضمن استراتيجيات الدولة إنشاء مدن تعدين جديدة تماما أو الاستفادة من القرى والهجر الموجودة قرب المناجم ودعم وتطوير هذه القرى والهجر لتكون مدنا نموذجية تخدم المنجم والسكان الأصليين لهذه المناطق؟وبالتالي قد تتحول هذه القرى والهجر إلى مدن مهمة مربوطة ضمن بقية الخدمات الأخرى من طرق وغيره وهو ما يدعو إلى تبني السياسات المهمة التالية:-
- استقطاب أبناء مناطق التعدين مثل منطقة حائل ومنطقة عسير ومنطقة المدينة المنورة وغيرها. و توجيههم لدراسة التعدين وتخصصاته المختلفة ليكونوا نواة صغيرة لقيام صناعة تعدين داخل مناطقهم.
- التركيز على دعم مشاريع تعدين قرب قرى ومدن فيها مقومات للنمو والتطور، هذه المشاريع قد تكون مشاريع تعدين صغيرة، ولكنها مشاريع استشرافية مهمة، أي بمعني آخر تحقيق نمو تدريجي لهذه المشاريع مع نمو تدريجي لهذه المدن طالما كان هناك نجاح حقيقي ومطرد لهذه المشاريع، أي بمعنى آخر تطور هذه المشاريع بشكل مرحلي. هذا الأمر يقود للتساؤل التالي وهو:
هل نحتاج إلى ضخ مبالغ طائلة لإنشاء مناجم ومدن تعدين كاملة التشغيل في فترة وجيزة، أم أن تكون مشاريع التعدين ضمن مراحل زمنية مدروسة ليمكن تدارك أي سلبيات في التخطيط أو أي قصور في توقعاتنا، مما يجنبنا خسائر مفاجئة لم تكن في الحسبان، أي أننا قد لا نحتاج إلى إنشاء منجم للفوسفات بطاقة تشغيل قصوى وبكل المرافق المطلوبة،. بل يمكن الاكتفاء بتشغيل استشرافي ثم تشغيل مرحلي بطاقة نسبية ثم الانتقال إلى التشغيل الكامل مع اكتمال باقي المرافق ضمن فترة زمنية مرحلية مدروسة، هذه بعض الأمور المهمة في صناعة مدن التعدين لدينا، لإحياء وتنشيط الحياة في القرى و المدن شبة الخاملة، وإبقاء أبناء تلك المناطق في مناطقهم للحد من الهجرة إلى المدن الكبرى، بل إن ذلك قد يساعد كثيرا على هجرة عكسية لأبناء تلك المناطق، الذين يسكنون المدن الكبري، إلى مناطقهم، ولنا جميعا أن نتسأل: هل هناك برامج وخطط لدى وزارة البلديات فيما يخص نشاط التعدين في المملكة العربية السعودية؟
هذا هو نفق صناعة التعدين وصناعة مدن التعدين، وهو نفق يحتاج إلى تكامل وتنسيق جميع القطاعات ذات العلاقة.
تعدين معادن الأرض وتعدين الإنسان السعودي
ورد في قاموس محيط المحيط عن كلمة (عدن) ما يلي: «عدن بالمكان يعدُن ويعدِن عَدْناً وعُدُوناً أقام به، والبلد توطنه، قيل ومنه جنات عدن أي جنات إقامة لمكان الخلود، وعدنت الأبل في الحمض استمرته ونمت عليه ولزمته فهي عادن ....والمعدن منبت الجواهر من ذهب وحديد وفضة ونحوه. قيل له ذلك لأن أهله يقيمون فيه و لايبرحون عنه صيفا و شتاء ... ومكان كل شيء فيه أصله ومركزه. منه يقال فلان معدن الخير والكرم ..».حسنا، هذه بعض مدلولات كلمة (عدن) . أصل كلمة تعدين. وإذا كانت كلمة تعدين تعني استخراج معادن الأرض. فإنها تعني إقامة أهل الأرض في أرضهم و وضع أسباب استقرارهم بها.أخيرا، يبقى سؤال إستراتيجي مهم وخطير وهو : هل أرقام وإحصائيات المعادن لدينا تنبىء عن طفرة اقتصادية مهمة شبيهة لما حدث في صناعة البترول، أم لا؟، إذا كان الجواب على هذا السؤال حقيقة إيجابية مؤكدة فإن ما نحتاج إليه لتعدين معادن الأرض وتعدين معادن الرجال هو ضبط دور شركة معادن في إنشاء مناجم ريادية في مختلف مناطق المملكة لتكون نواة محلية في كل منطقة لتعدين معادن أرض تلك المنطقة وتعدين معادن رجالها، ما نحتاج إليه هو وضع إستراتيجيات حقيقة ومدروسة بعد تحديد دور كل من المجلس الاقتصادي الأعلى والمجلس الأعلى للبترول والمعادن في صناعة التعدين. ما نحتاج إليه هو دعم القطاع الخاص و توجيهه ضمن إستراتيجيات صناعة التعدين. ما نحتاجه هو التخطيط السليم المدروس لهذه المرحلة المهمة لتلافي سلبيات التخطيط الفردي العشوائي مع ضرورة التنسيق بين جميع الجهات الحكومية ذات العلاقة من وزارة البترول إلى وزراة المالية إلى وزراة الخدمة المدنية إلى وزارة المواصلات إلى وزراة البلديات إلى قطاع الكهرباء وقطاع المياه إلى جميع القطاعات الأخرى ذات العلاقة. هذه هي بعض الرؤى حول صناعة تعدين معادن الأرض لتكون صناعة ناجحة وقوية و موجهة نحو تعدين معادن الرجال. نحو تعدين الإنسان السعودي ذلك الإنسان الذي هو بالنسبة لنا جميعا معدن المعادن كلها، ذهبها وفضتها وحديدها. وسر ما يجب أن تكون عليه جميع إستراتيجياتنا.الآن قد آن لي أن أضع معولي ومسحاتي جانبا إلى حين، بعد أن حفرت في بعض أنفاق صناعة التعدين لدينا، الآن قد آن لي أن أرقد مطمئنا إلى حين بعد أن رقدت عني شهواتي السبع بعد ثوراتها السبع المفاجئة.وآخر ما أقول، اللهم علمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علمتنا، والحمد لله رب العالمين.
ص.ب 26520 الرياض 11496 |