لم أكن أعرف المرحوم سليمان العليان قبل عام 1975م إلا بما كنت أعرفه ببنائه خط التابلاين حيث كنت أعمل فيها في الستينات. كنت طالباً بجامعة إنديانا ببرنامج الدكتوراه لإدارة الأعمال وقد طلب مني عميد الدراسات العليا البروفسور فارمر أن أكون مرافقاً للمرحوم آنذاك خلال زيارته للجامعة لإلقاء محاضرات على طلبة إدارة الأعمال ولمدة أسبوع ولكوني بالصدفة الطالب السعودي والعربي الوحيد في هذه الكلية للدراسات العليا آنذاك.
كنت أعرفه كرجل أعمال سعودي من البروفسور فارمر في محاضراته كأحد طلابه كون البروفسور فارمر كان مديراً عاماً لشركة المقاولات العامة في المنطقة الشرقية «إحدى شركات العليان»، في الفترة ما بين عامي 1954م وحتى 1958م. وكان لعمله بهذه الشركة مصدر أثرى كتاباته العالمية بإصدار كتابه الكلاسيكي عن الإدارة المقارنة والتطور الإداري الذي تم طبعه «17»، مرة حتى عام 1975م، والذي اشاد بكثير من اجزائه بتجربته العملية مع المرحوم الشيخ سليمان العليان. كما علمت بأنه مازال الكتاب الوحيد الذي يعتبر مرجعاً رئيساً في تخصص الإدارة العالمية للدراسات العليا في معظم الجامعات الأمريكية.
كنت متخوفاً من هذه المهمة باستقبال المرحوم وحرمه ومرافقته لمدة اسبوع لإلقاء محاضراته العديدة كرجل أعمال سعودي يقف أمام طلبة الماجستير والدكتوراه بإدارة الأعمال من جهة وكذلك لكوني طالباً لديه سيارة أكثر من متواضعة لتنقلاته بها.
وكانت المفاجأة حال استقباله في المطار والتي ادهشتني ولم تكن مطلقا متوقعة بتواضعه الجم وكياسته مما أزال مخاوفي الشخصية أولا بأن يكون فوقياً ومتعالياً. كان رحمه الله بذكائه العاطفي المعهود قادراً بأسلوبه العفوي أن يخفف معاناتي وسكوتي وذهولي بكسره للجمود بحديثه المتواضع خلال رحلتنا من المطار إلى الفندق المخصص لإقامته بتعرفه السريع علي وعلى عائلتي وخلفيتي وكأحد العمال أمثاله في شركة التابلاين الذي ساهم ببنائه ما بين السعودية ولبنان لنقل البترول السعودي عام 1950م.
لم ألق حتى الآن من يستطيع مجاراته في مثل هذه المواقف بتواضعه وذكائه المتوقد. لم أكن أتوقع أبداً بحكم شهرته آنذاك وما سمعت عنه من البروفسور فارمر أن يقبل دعوتي له وحرمه للعشاء في شقة متواضعة لطالب بداخل الحرم الجامعي وبأسلوبه الهزلي طلب مني فقط وجبة سعودية وألا يكون المرقوق أو المطازيز أحدها لصعوبة تنفيذه في تلك البيئة.
كانت زيارته لسكن الطلبة ذلك المساء ومقابلته لعائلتي وأبنائي الصغار وفي صالة صغيرة وبأسلوبه الشيق وكلامه مع أبنائي حدثاً لن أنساه ما حييت مؤكداً ما لمسته منه من البساطة والبعد عن المظاهر.
لم أجد على حد تجربتي وحتى الآن رجلاً بمستوى تواضعه وكياسته وذكائه الحاد. ولابد من التنويه أنه استمر بزيارتي بهذه الشقة المتواضعة وحرمه لمرات عديدة خلال إقامته بالحرم الجامعي لإلقاء محاضراته قبل سبعة وعشرين عاماً مضت.
ابتدأ محاضراته وزال تخوفي منذ المحاضرة الأولى بالقاعة الكبرى على الطلبة الذين زاد عددهم عن مائتي طالب عندما ابتدأ يتحدث إليهم بلغة إنجليزية ولهجة أمريكية صرفة.
كان ذهولي وإعجابي ليس لهما وصف عندما حاصره الطلبة ببعض الأسئلة النظرية التي لا يعرفها إلا المتخصصون في المحاسبة عن LIFO و FIFO كقواعد محاسبية أجاب عليها بأسلوب تطبيقي من واقع خبرته بالمستودعات والمخزون السلعي. كان مثار إعجابي الأكبر عندما حاضر طلبة الماجستير والدكتوراه عن الواقع العملي الذي سيجابههم بعد تخرجهم وانتقالهم للعمل التنفيذي الذي كان آنذاك بالنسبة لي مجال فخر واعتزاز أمامهم.
كما كان مثار إعجاب الأساتذة للدراسات العليا بلقائهم معه لثلاث ساعات جعلت اسم بلادي في ذلك الوقت مع بداية الطفرة النفطية مثار إعجابهم كذلك وكون عميد الدراسات العليا البروفسور فارمر كان مديراً عاماً لإحدى شركاته.
كان رحمه الله من رجال الصناعة والأعمال العالميين المخضرمين والقادرين على التعلم الذاتي الذي لا يوجد له مثيل في عالمنا العربي في ثقافته ومعرفته المتجددة في عالم المال والأعمال. أثار دهشتي بقدرته على إجابة الأسئلة من واقع عملي وربطه بأحدث الأفكار الإدارية المعاصرة آنذاك. أكثر ما ضايقه رحمه الله في محاضرة عامة على طلبة الجامعة بالمدرج الكبير عندما وجه له طالب عربي سؤالاً سياسياً حول مقاطعة إسرائيل إلا أنه تمكن من الإجابة عليه بكل حصافة ولباقة متناهية مع أنني أتذكر تماماً ترديده لي تخوفه قبل أي محاضرة من الأسئلة التي تتسم بالطابع السياسي الذي كان رحمه الله لا يود أن يخوض فيه.
كان شرفاً أعتز به ما حييت حضوره خلال زيارته في إحدى الأمسيات دفاعي عن مشروع رسالتي للدكتوراه كما زادني شرفاً بطلبه مد يد العون والمساعدة لابنته حذام التي التحقت ببرنامج الماجستير في إدارة الأعمال مع منتصف عام 1976م بنفس الجامعة وهي التي أعتز بمعرفتها وتواضعها وأخلاقها العالية التي كانت مثار الاستحسان الكبير من جميع طلبة الدراسات العليا آنذاك.
أراد رحمه الله أن يقرر لها راتباً شهرياً خلال دراستها وسألني آنذاك عن الراتب الذي نتلقاه كطلبة سعوديين وقرر لها راتباً أقل من راتب الطلبة السعوديين المبتعثين.
كما قرر لاحقاً رحمه الله إلحاق ابنته لبنى بنفس الجامعة للحصول على الماجستير في إدارة الأعمال في سبتمبر 1977م وذلك بعد تخرجي بشهور.
بعد تخرجي وعودتي للوطن، كنت على اتصال دائم معه لاعتزازي وتقديري لزيارته ولافتخاري بفكره وسلوكه القويم وانضباطيته وتواضعه لأن بداية العلاقة مع الآخر هي المعرفة.
كان دائماً يثير دهشتي بذاكرته التسجيلية القوية والخارقة على حفظ الإحصائيات والأرقام.
عندما كنت مديراً عاماً لصندوق التنمية العقارية وبعدها مديراً عاماً للكهرباء في المنطقة الوسطى ابتدأت أركز على الإحصائيات خوفاً من أن يوجه لي سؤالاً عنها عند لقائي به.
كان رحمه الله يحفظ الأرقام والإحصائيات عن ظهر قلب بشكل مذهل عندما أقابله بعد غياب طويل لأجده مستفسراً عن تغيرها عما كانت عليه.
أصبحت عادة بالنسبة لي التركيز على الإحصائيات بعد ذلك لأنني تعلمت منه جدواها وأهميتها كمؤشر تنموي قابل للتحليل والابتكار. ومع نهاية عام 1985م وتفرغي من عملي في كهرباء الوسطى، طلبني مع شركائه مجموعة الموارد لنقل إحدى أكبر الشركات العربية المتخصصة في مجال التأمين وأقوم بإدارتها ونقل مركزها الرئيسي من أثينا إلى الرياض وكان شركائه خير عون لي على مدى سنوات ومن خلال ابنه خالد في تحقيق هذا التحدي آنذاك بنقل شركة تأسست عام 1952م وكان مركزها الرئيسي في بيروت ومن ثم أثينا باليونان خلال الحرب الأهلية اللبنانية وتم نقلها إلى الرياض والذي قمت به عام 1986م بحمد الله وشكره.
لم يكن رحمه الله رجل أعمال مقلداً أبداً، إذ لم يعط لابنه وبناته المتخصصات بإدارة الأعمال بالدراسة العليا منصباً لكونهم أبناء سليمان العليان أبداً.
اشتغل ابنه خالد بعد انتهاء دراسته العليا من أمريكا وقبل ما يزيد عن ثلاثين عاما بوزارة المالية لفترة اكتسب منها خبرة ومهارات وتدرج بعدها بوظائف عديدة في المجموعة وترقى كغيره إلى أن وصل إلى منصبه الحالي.
واشتغلت ابنته السيدة حذام في بنوك عالمية بعد تخرجها من جامعة إنديانا ومن ثم التحقت بالمجموعة قبل ما يزيد عن عشرين عاماً وتدرجت إلى ما وصلت إليه الآن وكذلك ابنته السيدة لبنى المتخصصة بالدراسات العليا بإدارة الأعمال من جامعة إنديانا، وأعتقد هنا أن علاقته وصداقته بالبروفسور فارمر وزيارته لإلقاء المحاضرات بجامعة إنديانا وتخرج كريماته منها كانت نبراساً له في تقديم منحة لهذه الجامعة لطالب سعودي في الدراسات العليا.
رحم الله سليمان الأسطورة العربية في مجال الأعمال التجارية والصناعية والمالية لأنه بالفعل أسطورة في الذكاء والزهد في المناصب والألقاب والأضواء.
فهو رحمه الله أنموذج فريد في التواضع والذكاء العاطفي والعمل الجاد والعزيمة والإرادة لا يمكن أن تلقى في عالمنا العربي إنساناً قام بعمل مؤسسي قائم ورائد ومستدام بكل هذا التنظيم العالي كما أقامه سليمان.
ولا يوجد إلا القلة من ذوي الذاكرة الخارقة يساهم في نظري في توفير مادة تساعد على وضع سياق لتاريخ عربي معاصر في قطاع الأعمال وياليت أننا قمنا بتسجيل ما بذاكرة هذا الأسطورة من أجل المستقبل.
وأكبر اعتزازي بهذا التواضع الجم والدماثة التي لم ألق لها مثيلاً في عالم المال والأعمال في عالمنا العربي حتى الآن.
رحمك الله لما قدمت لآخرتك وما قدمت لوطنك وما أنجزت لأبنائك وأحفادك من بعدك. وبعد كل شيء رحمة الله عليك دائماً وأبداً ، {إنَّا لٌلَّهٌ وّإنَّا إلّيًهٌ رّاجٌعٍونّ}.
رئيس تحرير مجلة «المدير» وصاحب الامتياز
|