التعصب للرأي، أو للنفس والأهل والأسرة والقبيلة هو الداء العُضال الذي يفتك بصفاءِ النفوس ونقائها، ويحطم صروح المودة، ويمزِّق أواصر المحبة والصَّداقة، ويدفع بالمتعصِّب إلى نفقٍ مظلمٍ من سوء الظنِّ بالآخرين والطعن في نيَّاتهم، والاعتداد الأعمى بالرأي والنفس والأهل والقبيلة اعتداداً يشعل نيران الحقد والحسد والعناد.
التعصُّب.. مرضٌ خطير يتعدَّى خطرُه حدود المتعصِّب نفسه إلى الآخرين الذين يخالفونه رأيه، ويتجاوز حدود الشخص إلى الأسرة والجماعة، والأمة، وهنا تستعر نار الخلاف وتتسع دائرة الشقاق، ويتمزَّق شمل الناس، وتجد وسوسة الشيطان باباً مفتوحاً، وطريقاً ممهَّدة إلى النفوس.
التعصُّب.. هو الذي يحسِّن للإنسان القبيح، ويُلبس الباطل ثوب الحق، ويخلط الجيد بالرديء، ويسدُّ منافذَ الرؤية السليمة الصحيحة للأمور، وهو نَواةٌ للصراع العقدي والفكري، تسوق المتصارعين إلى المواجهة المباشرة التي تصل أحياناً إلى استباحة العرض والدَّم.
ما الذي جعل المعتزلة يصرون على انحراف رؤيتهم لكثير من أمور الدين، ويعملون ليل نهار لترويج باطلهم وتزيينه لبعض الخلفاء، وما الذي جعلهم يهوِّنون من خطورة سجن وضرب وقتل العلماء عند المأمون والواثق، ويسدُّون كلَّ المنافذ، ويغلقون كلَّ الأبواب أمام كلمة الحق، وموضوعية الرأي، وأمانة الفتوى، حتى حدث ما حدث للعلماء الأجلاء من أهل السنة والجماعة؟؟.
إنَّه التعصُّب الأعمى..
وما الذي جعل الخوارج يستحلّون دماء المسلمين، ويحرِّفون في مدلول نصوص واضحة من الكتاب والسنة، ويكفِّرون أصحاب المعاصي من المسلمين، ويخالفون إجماع علماء الإسلام الثقات من الصحابة والتابعين، وما الذي جعلهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمية برغم كثرة عبادتهم ؟؟
إنَّه التعصُّب الأعمى للرأي.
وما الذي جعل الغلاة يستبيحون عرض فضلاء الصحابة، ويكيلون لهم من الشتم واللَّعن ما لم يكيلوه للملاحدة والكفرة والشياطين، وينظرون بمنظار الاحتقار إلى غيرهم من المسلمين؟؟
إنه التعصُّب الأعمى للرأي.
وما الذي جعل «الصَّليبيين» يقومون بحملاتهم العسكرية المسعورة القائمة على الظلم والطغيان والوحشية، ويجتاحون بها العالم الإسلامي، ويستبيحون فيها هتك الأعراض، وإهدار الدّماء، وسَلْب الحقوق؟؟
إنه التعصُّب الأعمى للرأي والدِّين والعرق.
وما الذي جعل ذلك الرئيس الكبير في منصبه لتلك الدولة الكبيرة في قوَّتها المادية يقول: من أيَّد رأينا فهو صديق، ومن لم يؤيده فهو عدو، وأصرَّ على ذلك، وسير جيوشه وأساطيله لتنفيذ ذلك؟؟
إنه التعصُّب الأعمى للرأي والدين والبلد.
وما الذي يجعل عالماً غزير العلم يتفوَّه بما لا يليق بعلمه من شتم معارضيه من العلماء الذين يحملون من العلم مثل علمه أو أكثر، ويظل يسفِّه آراءهم في مجالسه وحلقات علمه ولقاءاته العامة والخاصة؟؟
إنه التعصُّب الأعمى للرأى.
وما الذي يجعل مسؤولاً سياسياً أو اقتصادياً أو إدارياً ينفِّذ ما يريد، ويصرُّ على تنفيذ قراراته، و آرائه متجاهلاً نُصْح الناصح، ورأي المشير، وتوجيه صاحب الخبرة، ومعرضاً عن آراء الناس التي تعارض بعض قراراته وآرائه؟؟
إنه التعصُّب الأعمى للرأي والمنصب.
إشارة:
في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم دواءٌ ناجع لداء التعصُّب، ننصح المصابين بهذا الداء أن يراجعوا ذلك المركز الصحي النبوي الكريم.
|