Tuesday 16th July,200210883العددالثلاثاء 6 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

إضاءة إضاءة
وفاتت سنة !
شاكر سليمان شكوري

في غير الزمان
في نفس المكان
مرتني الذكرى وانا واقف
في نفس المكان
في غير الزمان
في ذا ضحكت أيام لكني بكيت
في ذا حلمت أحلام لكني صحيت
بهذه النظرة العميقة لما يعتمل في النفس الإنسانية، يقف (شاعرنا) الأمير خالد الفيصل مع الذكرى في نفس المكان، لكن - بالطبع - ليس في نفس الزمان، وإلا فكيف تكون ذكرى إن لم تكن في زمن آخر سابق! على أن كلا من الزمان والمكان مثيران قويان للذكرى، عليهما - منفردين أو مجتمعين - تقوم الذكرى وتهيم وتهيج، وتتحرك وتسري في الدواخل الجوانية، فتهيج في الإنسان مشاعر الأفراح والأتراح، حسبما جرى به القدر في أصل الحدث والخبر، وتتحدث الذكرى إلى صاحبها بلسان حالها حلوة كانت أو مرة.
قالت لي الذكرى كلام
عنى - والله - بغيت انساه
وصاحت ربابة شوق وأثر النغ
م مني يشكي - وأنا شكواه
وغنى صوت في ليلة فرح
وهلت عين وقلب انجرح
إنها إذن أزمان بعينها، وأماكن يشعر الإنسان فيها دون غيرها بأن الذكرى تجذبه إليها.. حيث تعودين أيتها الذكرى، فنسعد بك أو نشقى. ومن منا لم يقف على أطلال الماضي حين تمر الأيام فتعود له محطات الألم والأمل؟!.
واليوم - عزيزي القارئ - أجد حتمية الوقوف أمام ذكرى (خاصة)، لكنها تأخذ صفة العموم لندرتها، ولقدرتها - على تعريف الخلق بعظمة الخالق ما بين ابتلائه - جل وعلا - لعباده، ورحمته - سبحانه وتعالى - بهم.
ففي مثل هذا اليوم قبل عام مضى، كنت ورفيقة العمر نقضي إجازة خارج الوطن في قُطر شقيق، نطير كالفراشات من بستان إلى بستان، بعد أن تخففنا من عناءات الرتابة، وخلعنا عن أنفسنا عباءات الملل، تتلقفنا قلوب الأحبة هناك بالحدب والكرم، تصنع لنا هناءة اللحظات وتباركها.
وكانت عذبات تلك الأيام تتفلت من سبحة العمر، ونحن لا ندري كم باقي من الزمن، حتى حانت ليلة الوداع، والعودة (باكر) إلى أرض الوطن، في تلك الليلة أُغدق علينا صديق وفي وأخ عزيز وعائلته الكثير من كرم الروح وسخاوة النفس، وطالت السمرة العامرة بالسعادة والفرح، ولا أحد منا كان يدري أن ملك الموت يتخفى بمبضعه في أحد الأركان، ربما كي لا يفسد علينا وعلى المسكينة آخر بروق الحياة. ثم إنه وثب في اللحظة القدرية لأعود وحيداً بعد ساعات قلائل إلى الوطن، وتعود رفيقتي على الأعناق محمولة في موكب وداع حزين بحزن سواد الليل البهيم، وعادت (ليلاي) إلى مسقط رأسها لا إلى البيت الذي لبس عليها أثواب الحداد، ولا إلى بيوت الأهل والأتراب، لقد كانت رحلتها الأخيرة إلى مقابر السيدة خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - في مكة المكرمة.
وكم بكاك القلب قبل العين، وكم تجمدت أشباح الفراق في عروقي حين أذهلتني المفاجأة الصاعقة، فلم أكن ساعتها أدري ما يدور وما يجري. يا أم البنين ويا رفيقة الدرب الذي عانيناه سوياً زماناً، وشربنا غبوقه أزمانا، إنك باقية في كل نظرة عين إلى أبنائك.. وأحفادك.. وأشيائك.
وقد تكون الواقعة إلى هذا الحد مكرورة هنا وهناك، لكن الاعجاز الذي عشته في تلك اللحظة أنه من دوامات الحزن الثائر في دوائر النفس، كأمواج البحر الهادر في ليلة شتاء عاصف قارص تبدو في آخر النفق نقطة ضوء.
فبعد سويعات من توسيد الراحلة في قبرها - انبلج صبح جديد بمولد «سعد»، ابني الذي وهبني الله في لحظة الموت الكئيب وكان القدر قد صدفني قبل أعوام قلائل «بأم سعد» فكانت ولم تزل نعم الزوجة ونعم الصديق، وعززت كتيبة عزوتي بالبنت والولد، وصرنا لها - جميعا - عيالاً ترعانا بكل الحب والإخلاص.. وصرت يا شقيقة الروح البلسم الناجع لنا في كل حال.
فشكراً ربي على ما أنعمت ووهبت.
واللهم رب صبراً على ما قدَّرت وقضيت.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved