|
|
المنصب الوظيفي المميز أو كرسي الإدارة الوثير أو مدير الإدارة كلها مسميات يسعى الكثيرون لتبوئها والحصول عليها بشتى الوسائل والطرق، لما لها من فخامة تضفي على صاحبها المكانة الاجتماعية المميزة. فمنهم من يصل بجهده وصبره ومثابرته ومنهم من يصل بشهاداته وخبراته ومنهم من يتسلق على أكتاف غيره ومنهم من يسلك الأساليب الملتوية والنفاق... وبعد أن ينال أي منهم ذلك المنصب تتضح حقيقة كل منهم، فمن شب على شيء شاب عليه. وكل إناء بما فيه ينضح.. حيث تتضح لنا شخصياتهم، فمنهم المستقيم المحب للآخرين ومنهم المتكبر والدكتاتوري والأناني المحب لذاته وغير ذلك من الصفات المتفاوتة!! يختلف كل منهم في القيام بمهام منصبه، البعض يعمل بصمت ويحقق الانجاز تلو الانجاز ويترك انجازاته تتحدث عنه... لم يبحث يوما عن وسائل الإعلام لتظهر صورته أو تنشر له تصريحاً، تجده يهتم بعمله ويتابع كل صغيرة وكبيرة بنفسه، يحمل هموم عمله على مدار اليوم، لا يتقيد بساعات محددة للعمل، يتقرب لجميع العاملين معه، يشاورهم ويسمع منهم، لا يصادر لهم رأياً ولا يفرض عليهم وجهة نظر أو قراراً دون مشاورة، مقتديا معهم في ذلك ما جاء في الأثر (من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته)، تجد شعاره في حياته حسن الخلق مستمداً ذلك من قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (.. وخالق الناس بخلق حسن) ومن قوله صلى الله عليه وسلم (إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق)، تجده يتقصى ظروف العاملين معه متلمسا لاحتياجاتهم النفسية والاجتماعية والمالية، مقدراً جهودهم ومحترماً شعورهم، بينما غيره يكثر كلامه وينعدم فعله... يبحث عن وسائل الإعلام ويلهث خلفها لتظهر صورته المزيفة، يحتل شاشة التلفاز وتملأ صوره الصحف ويسمع عبر المذياع، يمني الناس بالأمنيات والوعود التي هي أقرب إلى الخيال، يمارس الكذب ليلا ونهارا، يصرح بأن أبوابه مفتوحة للجميع وأنه سيستقبلهم بالوجه البشوش ويستمع لما عندهم من رأي أو شكوى وهو في حقيقته يصادر كل رأي وهو سبب كل شكوى، صفته الفظاظة والشدة والقسوة، يسعى إلى السيطرة على من هم دونه في المرتبة وكل من هو تحت سلطته من أجل إثبات الوجود والهيمنة عليهم حتى يخافوه ويذلوا بين يديه، لم يتفكر يوماً ولم يتدبر قول الله عز وجل {فّبٌمّا رّحًمّةُ مٌَنّ پلَّهٌ لٌنتّ لّهٍمً وّلّوً كٍنتّ فّظَْا غّلٌيظّ پًقّلًبٌ لانفّضٍَوا مٌنً حّوًلٌكّ} ولم يستوقفه قول المصطفى صلى الله عليه وسلم (إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه)، يعتقد أنه في منصبه سيخلد ولن يقترب من كرسيه أحد، وبعد أن تتوالى السنون وهو يمني نفسه ويحاول إصدار صك استحكام أبدي لكرسيه وبعد أن خسر مصداقيته أمام الجميع.... يتفاجأ بالأمر الواقع ويأتيه أمر الإعفاء ووجوب افساح المجال لغيره!! عند ذلك يفيق من بحر أوهامه ودنيا غطرسته وغروره ويصطدم بواقعه الذي تنكر له ثم يلتفت حوله يبحث عمن يشفع له بالبقاء!!!! يجد أن الجميع تخلوا عنه، فأصدقاء المنصب وأصحاب المصلحة ذهبوا للبحث عن غيره بعد أن أصبح منسيا!! وأما الآخرون ممن أعرض عنهم ولم يلتفت لهم أيام عزه ومارس معهم شتى أنواع الخداع والمماطلة والتسويف والوعود الوهمية فإنه لن يجرأ على مخالطتهم ومعايشتهم ويصبح منبوذا بينهم لا أهمية له فقد انشغلوا عنه بتكريم من يستحق التكريم. وبعد أن يفيق من صدمته ويتعايش مع واقعه يبدأ باستعادة شريط حياته العملية وماذا قدم لمجتمعه خلال تلك السنوات الفائتة؟ ويصطدم مرة أخرى بالواقع المر وتتجلى لديه الحقيقة المرة وهي أنه لم يزرع المحبة مع الآخرين ليحصد ثمارها منهم وأنه لم يؤد الأمانة التي أوكلت إليه كما ينبغي ويتذكر الحكمة (كما تدين تدان)!! وحينئذ يعض أصابع الندم ولن ينفعه ذلك العض شيئا!! فقد طوى المجتمع صفحة حياته العملية ولن يعود الزمن للوراء دقيقة واحدة. |
![]()
[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة] |