تجد الولايات المتحدة نفسها هذه الأيام قوة فريدة وهدفا وحيدا للتهديدات فهي القوة العظمى الوحيدة والهدف لكل عداء وكراهية وشك من أغلب شعوب العالم، ويبدو بوضوح أن إدارة الرئيس بوش تخضع لإغراء بالمضي بمفردها في هذا المناخ العالمي وتتهرب من المشاركة في أي تحرك دولي لا تكون للولايات المتحدة سيطرة كاملة عليه. لقد أبرز الرئيس بوش مهارة كبيرة في التعامل مع روسيا وغيرها من الدول لضمها معا في تحالف لمحاربة الإرهاب، ولكن هناك أيضا مشكلات حيوية في العالم لها نفس أهمية الحرب ضد الإرهاب تقريبا بالنسبة لمستقبل الأمريكيين وغيرهم من شعوب العالم مثل مشكلة ارتفاع درجة حرارة الأرض وانتشار الأسلحة النووية والبيولوجية ومحاربة انتشار الأمراض المعدية مثل الإيدز والملاريا والتأكيد على الملاحقة القضائية لمجرمي الحرب. فالولايات المتحدة لا تحكم العالم والإدارة الأمريكية تحتاج إلى تفكير ابتكاري وإستراتيجي حول الطريقة التي يمكن لأمريكا العمل من خلالها مع باقي دول الكوكب.
إن شيئا من التواضع يمكن أن يساعد أمريكا في ذلك، كما ان دائرة مستشاري الرئيس بوش التي تتكون في أغلبها من الجناح اليميني في الحزب الجمهوري تسعى دائما إلى إقناع الإدارة الأمريكية برفض الانضمام إلى أي معاهدة دولية ترى أنها تهدد السيادة الأمريكية. ويبدو أن رغبة الرئيس بوش في الاستماع لهذا المعسكر تتزايد من خلال الإعلان عن مواقفه ومواقف الجمهوريين خلال انتخابات الكونجرس في الخريف القادم والانتخابات الرئاسية القادمة عام 2004م، وقد تبدو مخاوف الرئيس من المعاهدات الدولية مفهومة إذا لم تكن مبررة بالضرورة، وقد تشعر بعض الدول بالسعادة عندما تقوم الولايات المتحدة بعرقلة جهد دولي ما، كما أن هناك دولا أخرى تنضم إلى أي معاهدة دولية لمجرد انضمام الولايات المتحدة إليها وقد أثبت مؤتمر مكافحة العنصرية الذي استضافته جنوب إفريقيا العام الماضي وشهد معركة دولية حول مساواة الصهيونية بالعنصرية أثبت خطورة سقوط الجهود الدولية فريسة للصراعات أو المصالح الإقليمية.
ولكن طوال السنوات التي كانت الولايات المتحدة تشترك خلالها في المعاهدات الدولية كانت مشاعر العداء لأمريكا بسيطة ومحدودة. بالقطع يجب على الولايات المتحدة أن تحمي نفسها ومواطنيها من احتمال تشكيل الدول الصغيرة تكتلات مناهضة لأمريكا لمجرد أنها أصبحت تستطيع ذلك عبر معاهدات أو منظمات دولية. ولكن هناك مجال واسع جدا بين هذا الحرص الواجب والمعقول واتجاهات الادارة الأمريكية الحالية وتبدو بعض المؤشرات المشجعة على تحول ما في موقف الإدارة الأمريكية حيث بدت رغبة البيت الأبيض في سحب التهديد باستخدام حق النقض الفيتو في مجلس الأمن ضد تمديد عمل قوات حفظ السلام على مستوى العالم كتعبير عن المعارضة الأمريكية لاتفاقية إنشاء المحكمة الدولية لجرائم الحرب.
وفي نفس الوقت لم يظهر عن هذه الإدارة ما يشير إلى إدراكها لأهمية عمليات حفظ السلام الدولية وخطورتها في نفس الوقت الذي تصر على موقفها الخاطئ المعارض لمحكمة جرائم الحرب الدولية.
أيضا لم تكن استجابة البيت الأبيض لمشكلة ارتفاع درجة حرارة الأرض مشجعة على الإطلاق.
يخشى البيت الأبيض من الآثار السلبية لأي جهود دولية تهدف إلى تقليص انبعاثات الغاز المسببة لظاهرة البيت الزجاجي التي تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض قد تؤثر على الاقتصاد الأمريكي والذي قد يكون صحيحا.
تعطي الإدارة الأمريكية اهتماما غير عادي لانتشار الأسلحة الكيماوية والنووية والبيولوجية حتى وصل الأمر بها إلى التهديد بشن ضربات وقائية ضد أهداف معادية لأمريكا، وعلى أمريكا أن تدرك أن القوة العسكرية لا يمكن أن تقدم حلا ولكن الجهود الجماعية هي التي يمكن أن توفر مثل هذا الحل.
إن منع وصول مثل هذه الأسلحة إلى دول مثل إيران وليبيا وتنظيم القاعدة لا يمكن أن يتحقق بفاعلية بدون الالتزام الكامل بمعاهدات منع انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وقد يبدو البيت الأبيض محقا عندما يقول إن هناك دولا في العالم تنضم إلى المعاهدات الدولية ثم تنسحب منها بعد ذلك بوقت قليل ولكن الحل هو دفع هذه الدول إلى الالتزام بالمعاهدة وليس بانسحاب أمريكا نفسها من المعاهدة، تتطلب قيادة العالم أكثر من مجرد بيانات إنشائية أمريكية وأمريكا تحتاج لأن تكون قائدة وليست عنصر إفساد لجهود التعاون الدولي.
افتتاحية «نيويورك تايمز» |