تواجه بلادنا حملات شرسة من قبل بعض الكتاب والصحفيين في صحف أجنبية، وتحمل بين طياتها الهمز واللمز حول وضع المواطن السعودي وعدم حصوله على حقوقه كمواطن، ونحن إذ نعتبر ذلك تدخلاً سافراً في الشؤون الداخلية للمواطنين فضلاً عن عدم الدقة في رصد المؤشرات التي تدل على مدى رضا المواطن السعودي عن أوضاعه الداخلية وما تمليه شريعته وتقاليده، نحسب أننا - وطناً ومواطنين - لا بد أن نفكر بالطريقة اليابانية بعيداً عن الشعارات التي لا تبني وطناً بقدرما تهدم إرادة الشعوب، فعلى الرغم من اعتداء الولايات المتحدة عليها ألا أنها اتجهت للإصلاحات الداخلية وبناء المواطن، وغالباً ما يؤدي العمل الصامت إلى نتائج تعود للصالح العام.
وكثير منا يطلع ويقرأ ويرصد ما حوله فيجد أن أصحاب الشعارات الذين يتهجمون على بلادنا ومواطنيها لا يملكون الحد الأدنى من المقومات الشرعية والثقافية للحوار المنطقي السليم، والكثير منهم يتحدث عن بلادنا - كخبير - وهو لم تطأ أقدامه أطراف وطننا ولم يدرك أن البنية التحتية للتنمية في بلادنا اتجهت - وما زالت - نحو بناء المواطن المسلم أولاً، الذي تحكم أقواله وأفعاله أسس شرعية، ثم تأتي ثانياً الأمور المادية وما يتعلق بها..
إن مرور سبعين عاماً على نهوض بلادنا ليست كافية لندخل منافسين مع دول كان يُعدُّ مَن يذهب إليها ممن اختاره الله للنعيم.. فحين تتردد عبارة «الشام شامك إلى من الزمن ضامك، والهند هندك لا قَل ما عندك»! يُخيَّل إليك صعوبة انقلاب هذه المقولة، وبلادنا الآن تفتح ذراعيها مستقبلة، وتلوِّح بيديها مودعة لأرتالٍ من البشر يأتون طلباً للرزق والعلم في كنف بلدٍ كان صحراء قاحلة لا يحضر إليه إلا مَن أراد أن يعتبر!
ولعله من باب الفخر والاعتزاز أننا الدولة العربية الإسلامية الوحيدة التي يدرس فيها الطالب ما لا يقل عن عشر حصص أسبوعية للمواد الشرعية ومثلها للغة العربية فيتخرج الطالب محصناً شرعياً ولغوياً وفكرياً يستطيع أن يفيدك في أمرٍ شرعي يحار غيره من الطلاب المسلمين بالعالم في حلاله وحرامه!
وترتسم ابتسامة العجب على محياك عندما ترى شيخاً أميّاً طاعناً في السن يمسك بيدِ ابنه وهو يدخله في المدرسة، وتجتاحك غائلة العجب حين تعلم أن هذا الشيخ نفسه كان يرى في شبابه أن التعليم النظامي ما هو إلا اعتقال على مقعدٍ خشبي وهراء ينفثه ذلك المعلم الذي يرتدي بنطالاً وقميصاً وتتدلى من رقبته ربطة عنقٍ، ويعتقد أنه ليس من الرجولة أن يجد المرء نفسه يدرس لدى معلمٍ بهذه الهيئة ولو انتظم في المدرسة آنذاك لأصبح له - حالياً - شأن آخر!
أقول ذلك ونحن نرى حمى التسجيل والقبول في الجامعات والمعاهد العليا، وقبلها بعدة سنوات كانت المكافآت السخية تُمنح تشجيعاً وجذباً لمن يتخرج وينتظم في السلك الوظيفي.
ولعل من المفارقات العجيبة حين كان يترك الفلاح فأسه ليذهب للكُتَّاب ومن ثم للمدارس، ويعود الآن يحمل نفس الفأس ليزرع أرضه القاحلة بلغةٍ زراعية مدروسة حتى بات من غير المستغرب أن تجد مهندساً زراعياً يبتكر طريقة لتكاثر النخيل والشتلات بالهندسة الوراثية أو اختراع طرقٍ للري الاقتصادي لمعالجة الشح في الموارد المائية.
ومن المبهج حقاً أن يقف الطبيب السعودي المبدع بجانب الاطباء الأجانب بل يسبقهم ويتقدم عليهم بعقيدته وإيمانه بربه وتواضعه أمام مريضه، وإخلاصه وتفوقه في مجال عمله.
ومما يسر أيضاً أولئك الطلبة الموهوبين الذين يتقدمون بطلب براءة الاختراع لابتكارات واختراعات حضارية وما زالت سحنتهم توحي ببراءة الطفولة وبداية الشباب!
وليس العلم وحده مجالاً للفخر بل ان العطاء الفكري يجد في بلادنا حفاوة واهتماماً وتشجيعاً على نشر الكتب والموسوعات التي تُثري الفكر الانساني حتى باتت جائزة الدولة التقديرية للأدب هاجساً لكل أديب يضع لبناء الوطن لَبِنَة مشتملة على فكر متجدد ووعي بالدور المناط به. وإن كان الغربُ تعدى على خلق الله واستنسخ الحيوان، فنحن المسلمين قد سبقناهم بالاستنساخ الثقافي حين استنسخنا سوق «عكاظ»، فلم يعد سوقاً واحدة، بل عدة أسواق ثقافية، ومنتديات تعج بالمثقفين والأدباء، تتضوَّع فكراً لا فخر لأحدٍ فيها على أحد إلا بما يُثري مجتمعه وأمته.
ولمَّا تُدشَّن صحيفة أو مجلة في جوٍ تنافسي يُخشى عليها من الفشل يفاجئك تلقي المواطن لكل ثقافةٍ متنوعةٍ ومفيدة فلا تكاد تصدر حتى تنشط وتزدهر، ويدهشك الحضور والتنافس والتسابق على الخبر والنقد الموضوعي مع المحافظة على الثوابت والمصداقية حتى أصبح لدينا صحافة رصينة لا تجرح شخصاً، ولا تُجامل مسؤولاً، ولا تتعمد الإثارة!!
وإن كان هناك من خصوصية فهي وضع المرأة الصحفي في بلادنا فتجدها تكتب للصحف تنتقد التقصير وتشيد بالإخلاص أديبة مكان وصحفية ميدان، تحرص على اسمها فلا تكتب ما يسيء إليه، وتحافظ على حجابها حيث فرغت للعمل الصحفي في أجواء من العفاف وبعيداً عن الاختلاط، وعند التحقيقات الصحفية والزيارات الميدانية تجد الترحيب بها دون امتعاض من فضول صحفي تقتضيه المهنة، أو خوف من نشر حقائق يُخشى عليها من الظهور!!
إن المحافظة على المنجزات الحضارية قد تعجز عنها دول كان سعيها لمسمى، بيد أن سعينا لهدف وهو أن تكون بلادنا منارة للدين والثقافة، ولا سيما أننا أمة القرآن أعزنا الله به، وحري بنا أن نشكره على نعمة الإسلام والأمن ونحن نرى بعض الدول يسيطر عليها الخوف، فكيف يُهيأ لها أن تحقق أهدافها؟ تلك الأهداف التي لن تأتي إلا بالمحافظة على الثوابت والقيم المستندة على الشرع المطهر، والمبادئ الإسلامية العظيمة من حين أضحى المسجد يمثل موضعاً للعبادة، وموطناً للعلم، ومنارة للثقافة.
|