Saturday 20th July,200210887العددالسبت 10 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

أجواء أوسلو .. هل عادت من جديد؟ أجواء أوسلو .. هل عادت من جديد؟
عبد العزيز السماري

أجابت غولدا مائير بعد احتلال إسرائيل لكل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة فضلاً عن سيناء والجولان بعد حرب 1967م سؤالاً عن مصير الشعب الفلسطيني قائلة.. لا يوجد شعب يسمى الشعب الفلسطيني، وحين سُئلت عما إذا كانت إسرائيل ستنسحب من الضفة والقطاع أجابت أنها لم تسمع يوما عن بلد ينسحب من أرضه .. كان هذا الخطاب شعاراً معلناً للمشروع الصهيوني في فلسطين.
ولكن ما حدث خلال العقدين الماضيين من انتفاضة واصرار على المقاومة من داخل فلسطين المحتلة، يعتبر دلائل نصر ضد شعارات المشروع الصهيوني وإجهاض لتطبيقاته على الأرض، مما أدى إلى انتقال رحى علانية المعركة السياسية بعد ذلك إلى أساليب الخداع واستراتيجيات الضغط السياسي والعسكري لنيل مزيد من التنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني الأعزل.
كانت أهم فصول تلك المسرحية السياسية، مرحلة أوسلو الشهيرة، ففي الفترة التي سبقت مرحلة اتفاقية أوسلو عام 1993م، كان الخطاب السياسي الأمريكي يرفض التعامل مع الزعامة الفلسطينية الأبرز آنذاك، ويصر على أن تكون المفاوضات مع شخصيات من الداخل، وبالفعل بدأت المفاوضات مع وفد فلسطيني، من أهم أعضائه حيدر عبدالشافي وحنان عشراوي..
تصدرت أخبار الزعامة الجديدة نشرات الوسائل الإعلامية الأمريكية والعالمية، وأصبحت ركنا مهماً في مدارها، وفي أثناء المفاوضات «الرسمية» المعلنة، حدثت المفاجأة، وجرى الإعلان من منبر آخر عن التوصل «سرياً» إلى اتفاقية بين إسرائيل ومنظمة فتح الفلسطينية المرفوض التعامل معها «علناً»، قبيل إتمام الاتفاقية الشهيرة. وتم قبولها على مضض من اوساط فلسطينية، ورفضتها أخرى.
كانت المخاض غير الشرعي الذي طال حمله، وتعسرت ولادته، ليلد معاقاً وغير قابل للنمو..!! ولكن كيف يتم التخلص منه، وما هو البديل؟ أسئلة تصعب الإجابة عليها..، فالموقف العربي كان واضحاً في طرح مشروعه للسلام، وكان مستعداً لقبول الدولة اليهودية ضمن «الصيغة الشرق الاوسطية» .. ولكن ما ظهر للمراقبين من «خداع»، في لغة الخطاب، كشف أن الطرف الأهم «الأمريكي»، لا يضع السلام كاستراتيجية لسياسته الخارجية في الشرق الأوسط..!
فكرة المؤتمر الدولي المقترح، التي طرحها رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون وتلقفها الرئيس الأمريكي بوش تعتبر أحد أهم المحاولات للتخلص نهائياً من أي اتفاق سابق يلزم إسرائيل بمبدأ مقايضة الأرض بالسلام. فالرئيس بوش تخلى تماماً عن «المصداقية» واحترام معاهدات رعتها السياسة الأمريكية، وأقرتها مؤسساتها الدولية، عندما ايد اقتراح شارون، الذي حاول بيريز تسويقه في بعض العواصم الأوروبية.
انتقدت زعامات أوروبية موقف دولة عظمى كأمريكا، كان عليها أن تتمسك باتفاقيات التزمت بها وان تصر على احترام قرارات الشرعية الدولية، ووصف وزير التعاون الخارجي الفرنسي شارل جوسلان السياسة الأمريكية «بدبلوماسية تكساس» أي دبلوماسية الكاوبوي الأمريكي، وقال ان العلاقات الدولية يجب أن يحكمها القانون وليس القوة.
وانتظر الجميع خطاب بوش الأخير، الذي اعلن خلاله رفضه التعامل مع زعامة السلطة الفلسطينية، فأعاد خطابه اجواء أوسلو جديدة، ربما هدفها تشكيل مسارين للخطاب السياسي، أحدهما خطاب ظاهر مضمونه ضغط سياسي وتهديد غير حقيقي لنسف الزعامة الحالية، ويرفع من شعبيتها لإضفاء مزيد من الشرعية الشعبية عليها، ومسار آخر تنطلق فيه مفاوضات سرية تفرض واقعاً جديداً، وتقبله السلطة المعلن ضدها الحرب إعلامياً .. هذا السيناريو يطرحه المناخ السياسي الحالي، ربما ستكشف الأيام القادمة المفاجأة المتوقعة من عاصمة أوروبية أخرى. ولكن وماذا بعد؟ .. هل سيتكرر نفس السيناريو في المستقبل، وهل فعلاً الإدارة الأمريكية الحالية تبحث عن «السلام» في الشرق الأوسط؟
حديث المنشق الإسرائيلي فيكتور أوستروفسكي وصاحب كتاب «عن طريق الخداع» في نادي الصحافة الأجنبية بالعاصمة الأمريكية عن الإدارة الأمريكية الحالية، ربما يحمل بعضاً من أطراف محاولة فهم ما يرمي إليه العقل السياسي الذي يحكم حالياً البيت الأبيض، يعتمد جورج بوش الابن على قاعدة سياسية محددة وهي قاعدة تتشكل من مكونات كثيرة أكبرها التيار الايفانجليكي وتيار المحافظين الجدد، وليس بوسع الرئيس أن يخرج لمسافة بعيدة عن دائرة ما تريده قيادات هذين التيارين لان ذلك سيؤدي إلى فقدانه لحجرين أساسيين في قاعدته السياسية.
المحافظون الجدد هم سلالة مواقف المدرسة التروتسكية المعادية لموسكو وللاتحاد السوفيتي سابقاً، والتروتسكية تيار سياسي أطلقه ليون تروتسكي أحد أقطاب الثورة البلشفية في روسيا الذي انشق عن ستالين.
انطلقت الجماعات التروتسكية «اليهودية»، الطابع في العمل السياسي الداخلي من نيويورك، ومنها تأسست منظمة العالم الحر، ومن خلالها استطاع ذلك المد «المعدل»، سياسياً تقديمات زعامات سياسية جديدة، وقيادات إعلامية مؤثرة.
الجدير بالذكر أن عملية حشد مواقفهم بدأت تاريخياً أثناء الحرب الأمريكية الفيتنامية لدعم المشروع الإسرائيلي بالتهام الضفة والقطاع، وبدعوى ان الاتحاد السوفيتي أي ذلك البلد الذي اعتبره تروتسكي كائناً متوحشاً ومشوهاً بسبب ما أسسه ستالين داخله، يقف وراء إجهاض المسارين معا أي الانتصار الأمريكي في حرب فيتنام وتحقيق إسرائيل لحلم إسرائيل الكبرى.
أما التيار الايفانجليكي الذي تقدم له المنظمات اليهودية الأمريكية دعماً مالياً كبيراً فترتكز أهدافه على معتقدات تدعم إسرائيل لاسباب دينية بصورة مفتوحة ذلك ان الايفانجليكيين يؤمنون بان المسيح سيعود اذا ما نشبت حرب الارماجدون التي ورد ذكرها في الانجيل، والتي تشير إلى ان هذه الحرب لن تنشب إلا بسيطرة اليهود على ارض إسرائيل الكبرى وتوحيدهم للقدس واعادة بناء هيكل سليمان، حين ذلك سيقوم خصومهم بشن الحرب عليهم ليعود المسيح وتبدأ نهاية العالم فيذهب اتباعه إلى الجنة ويذهب الآخرون إلى النار.
ولكن هل الطرح أعلاه يدخل ضمن ضحايا «نظرية المؤامرة» الشهيرة ويضعه أسيراً لقيدها عندما رحت أبحث عما وراء العناوين العريضة، وأتعقب جذور تلك القوى الخفية في التاريخ التي تخطط لمؤامرة تدوم مابقي الزمان ضد حاضرنا المثقل بثقافة الهزيمة المؤكد سادتي ان تعاقب اختلاف الأحداث عما تدّعيه الروايات الرسمية، يشير إلى أن الحقيقة التي تظهرها البيانات الرسمية وتضخمها وسائل الإعلام «لا» يربطها بالواقع الحقيقي سوى خيط رفيع، والأكيد أن التعاقب المتكرر في التناقض بين الظاهر والباطن سيؤدي إلى ازدياد ضحايا نظرية المؤامرة في ظل هذا الهوان والاستسلام لعوامل الهزيمة الحضارية.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved