Saturday 20th July,200210887العددالسبت 10 ,جمادى الاولى 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الفساد المالي في الشركات يهدد بنكبة للاقتصاد الأمريكي الفساد المالي في الشركات يهدد بنكبة للاقتصاد الأمريكي

لم يكد الشعب الأمريكي يسترد عافيته إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ويبدأ في مواجهة التحديات التي فرضتها أحداث سبتمبر، إلا ويمنى بنكبة جديدة قد تكون أشد وطأة وأكثر خطراً على الاقتصاد الأمريكي من هجمات الحادي عشر من سبتمبر.
حيث وجد الشعب الأمريكي نفسه منذ عدة أسابيع محاطاً بأنباء الفساد المالي في كبرى الشركات الأمريكية التي كان الشعب الأمريكي يعول عليها في تخطي آثار أحداث الحادي عشر من سبتمبر، ويوماً بعد يوم تتفاقم وتتسع دائرة الفضائح المالية التي تم الكشف عنها مؤخرا في ميزانيات عدد من الشركات العملاقة في الاقتصاد الأمريكي، وينتهي الأمر بإفلاس شركتين من أكبر الشركات الأمريكية واضطرار عدد آخر من الشركات إلى إعادة مراجعة وتقييم قوائمها المالية.
وكل يوم يستيقظ الشعب الأمريكي من نومه على أنباء فضيحة مالية جديدة تنهار على أثرها شركات، ويتعطل أفراد عن العمل، ويفقد آخرون مدخراتهم وتتبدد أحلام الشعب الأمريكي في تحقيق الانتعاش الاقتصادي وتجاوز أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
ويحاول هذا التقرير ان يلقي الضوء على هذه الأزمة الأخيرة التي مازال الاقتصاد الأمريكي يعاني منها وذلك من خلال المحاور التالية:
أولاً: عرض موجز للفضائح المالية الرئيسة التي كونت الأزمة.
ثانياً: بيان الرئيس الأمريكي بشأن الفضائح المالية وردود الأفعال تجاه هذا البيان.
ثالثاً: الآثار المباشرة وغير المباشرة لهذه الأزمة على الاقتصادين الأمريكي والعالمي.
أولاً: عرض موجز للفضائح المالية الرئيسة التي كونت الأزمة
تنطلق الفضائح المالية الأخيرة من التلاعب في المعايير المحاسبية سواء التي اتبعتها إدارات هذه الشركات لإظهار أرباح غير حقيقية في ميزانياتها السنوية، كذلك تورط شركات المحاسبة التي تتولى مراجعة ميزانيات هذه الشركات في تزييف القوائم المالية الخاصة بها وخداع المستثمرين.
وفيما يلي عرض موجز للمخالفات المحاسبية التي ارتبطت بأسماء أربع شركات من الشركات التي شملتها الفضائح المالية.
* إنرون:
جرى إعداد القوائم المالية لشركة البترول العملاقة بطريقة تعظم من الأرباح الظاهرة على غير الحقيقة عن طريق خرق مبدأ محاسبي معروف يقضي بعدم زيادة قيمة أصول الشركات عن طريق تدوين القيمة السوقية لهذه الأصول في القوائم المالية بدلاً من القيمة الدفترية بارتكاب سلسلة من الحيل المعقدة، هذه الحيل مكنت من استيفاء الشكل المحاسبي، ولكنها في حقيقة الأمر لا تعبر عن أي مظهر من مظاهر الربح التي تسمح بالتوزيعات النقدية للأسهم وهو ما حدث بالفعل. كما قامت الشركة أيضاً بانشاء سلسلة من المشروعات المشتركة مع أطراف أخرى وحصلت هذه المشروعات على قروض ضخمة من البنوك بضمان الشركة الأم، مع إخفاء ذلك الأمر عن البنوك التي تقدم التسهيلات للشركة الأم ومع تحقيق عدد من هذه المشروعات لخسائر ضخمة التزمت الشركة الأم بتغطية هذه المديونيات وهي بمليارات الدولارات وهنا انكشف الأمر برمته أمام البنوك الدائنة والتي اضطرت إلى وقف تسهيلاتها الائتمانية لشركة إنرون وأعلنت ذلك أمام الرأي العام، فانكشفت الشركة وترنح سهمها في البورصة وسارت على طريق الإفلاس وتسريح العمالة.
* وورلد كوم:
تعد شركة وورلد كوم ثاني أكبر شركة اتصالات في العالم، وكانت الشركة قد اتبعت منهجاً خطيراً لإظهار زيادة في أرباحها الظاهرة على غير الحقيقة حيث عرضت في قوائمها المالية مبلغاً يصل إلى 4مليارات من الدولارات على أنه أرباح تجارية، في حين أنها في حقيقة الأمر نفقات جارية، وبذلك تكون الشركة قد دعمت أصولها وخفضت نفقاتها بنفس قيمة المبلغ، ولما كان صافي الأرباح هو حاصل طرح النفقات الجارية من الإيرادات الجارية فقد ظهرت الأرباح متضخمة على نحو لا ينسجم والأرباح الفعلية المحققة، وعند انكشاف الأمر انهار سهم الشركة في أسبوع واحد فقط من 60 دولاراً إلى عشرة سنتات وسارت هي الأخرى في طريق الإفلاس والانهيار الذي سبقتها إليه إنرون، مما دفع لجنة الأوراق المالية والبورصة إلى رفع قضية ضد الشركة تتهمها فيها بالغش والاحتيال.
* زيروكس:
كانت الفضيحة المالية الخاصة بشركة زيروكس أخف حدة وأقل وطأة من تلك الفضائح التي ارتبطت بإنرون وورلد كوم وأدت إلى انهيار الشركتين، كما تم معالجتها سريعاً قبل ان تستفحل.
حيث اضطرت الشركة للاعتراف بأنها سجلت بلايين الدولارات ضمن إيراداتها خلال الأعوام الخمسة الماضية قبل الموعد الذي كان يتعين عليها فيه القيام بذلك الأمر، وان هذا الأمر يشمل مبلغ 109 بليون دولار كان من الممكن ان يتحقق هذا العام أو في المستقبل.
حيث كانت الشركة قد حددت عائداً كبيراً من المبيعات المستقبلية لماكينات التصوير بدلاً من النظام المتبع في تأجير هذه الماكينات، وهو الأمر الذي أدى إلى ظهور زيادات غير حقيقية في الأرقام الخاصة بإيرادات الشركة على مدار الأعوام الماضية.
وقد أعلنت الشركة عن إعادة تقييم وإصدار قوائمها المالية عن الأعوام الخمسة الماضية 1997 - 2001 وذلك بناء على التسوية التي توصلت إليها الشركة في أبريل الماضي عقب تحقيق محاسبي أجرته لجنة الأوراق المالية والبورصة.
وقد جاءت هذه الأنباء في أعقاب صدور مجموعة من التقارير الحديثة التي أشارت إلى وجود مخالفات محاسبية خطيرة في الشركة مما أدى إلي حدوث انخفاض حاد في أسهم الشركة في بورصة نيويورك، حيث انخفض سهم زيروكس مع إقفال يوم الجمعة الماضي بمقدار 03 ،1 دولار بما يعادل 9 ،12% من قيمة السهم التي هبطت إلى 97 ،6دولار.
وقد كانت عملية إعادة تقييم وإصدار القوائم المالية للشركة أحد المكونات الرئيسية لصفقة التسوية التي تم التوصل إليها مع لجنة الأوراق المالية والبورصة، التي أعلنت آنذاك ان المخالفات المحاسبية في ميزانية الشركة أدت إلى إظهار زيادة في أرباح الشركة قبل خصم الضرائب بما يقرب من 7 ،1 بليون دولار خلال الفترة 1997 - 2000.
ومن دون الاعتراف بالمخالفات المنسوبة إليها أو إنكارها، توصلت زيروكس إلى تسوية مع اللجنة قامت بمقتضاها بسداد غرامة مدنية قيمتها 10 ملايين دولار، فيما يعد أكبر غرامة مالية تفرض على شركة نتيجة لمخالفات متصلة بتقارير محاسبية.
* شركة ميرك:
ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال في تقرير لها في عددها الصادر في 8-7-2002 ان شركة ميرك الأمريكية للأدوية سجلت في حساباتها خلال السنوات الثلاث الماضية إيرادات بلغت 4 ،12 مليار دولاراً من وحدة للخدمات الصيدلية تابعة لها، رغم ان هذه الوحدة لم تحصل على هذه الإيرادات قط، وذكرت الصحيفة ان بيانات قدمت إلى لجنة البورصة والأوراق المالية أظهرت ان وحدة ميدكو التابعة لشركة ميرك قيدت في حساباتها إيرادات لم تحصل عليها، و أوضحت البيانات ان هذه الإيرادات تمثل نحو 10% من إجمالي ايرادات ميرك المعلنة في الفترة 1999 - 2001.
*ثانياً: بيان الرئيس الأمريكي بوش عن الأزمة وردود الأفعال تجاهه
في محاولة من الرئيس بوش للتغلب على الآثار السلبية الناتجة عن سلسلة الفضائح المالية التي شهدها عدد من الشركات الأمريكية العملاقة خلال الفترة الأخيرة وكانت لها انعكاساتها السلبية على الاقتصاد الأمريكي. قام الرئيس بإلقاء بيان أمام أكثر من ألف من رجال الأعمال ومديري الشركات أعلن فيه عن عدد من الإجراءات للتعامل مع الأزمة وتداعياتها، يأتي من بين هذه الاجراءات:
- تشكيل لجنة فيدرالية خاصة لمراقبة تجاوزات رؤساء الشركات، برئاسة لاري تومبسون نائب وزير العدل وتضم عدداً من المسؤولين من وزارتي العدل والمالية ومكتب التحقيقات الفيدرالية ومن الأجهزة الأمنية.
- تشديد العقوبات الجزائية ضد الموظفين الإداريين في الشركات.
- مضاعفة مدة عقوبة السجن لبعض أنواع الغش التي يرتكبها رؤساء الشركات لتصل إلى عشر سنوات، وزيادة العقوبات على المسؤولين المتواطئين.
- اعتزام الإدارة الأمريكية توسيع سلطات واختصاصات لجنة الأوراق المالية والبورصة التي تتولى مراقبة الأسواق المالية، وفي هذا الصدد طلب الرئيس الأمريكي من الكونجرس تخصيص 20 مليون دولار للجنة لكي تقوم بتوظيف 100 عنصر جديد، بالإضافة إلى زيادة ميزانية اللجنة عن العام 2003 بنسبة 20%.
* ردود الأفعال على بيان الرئيس الأمريكي:
قوبل خطاب الرئيس الأمريكي بانتقادات شديدة من جانب خصومه الديمقراطيين الذين وصفوا الخطاب بأنه مليء بالأقوال لا الأفعال، خاصة مع اتهام الديمقراطيين لإدارة الرئيس بوش بمحاباة الشركات وخدمة مصالحها على حساب المواطن دافع الضرائب، خاصة وان عدداً من الشركات التي طالتها الأزمة كان من بين أكبر المتبرعين للرئيس الأمريكي خلال حملته الانتخابية، وتأتي في مقدمة هذه الشركات شركة انرون للطاقة التي انهارت.
وفي أقوى انتقاد للخطاب صرح توم داشل زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ انه لا يكفي ان يتحدث الرئيس عن المحاسبة، وإنما كان يتعين عليه ان يعمل لضمان تلك المحاسبة واصفاً خطاب الرئيس بأنه كان مفعماً بالأقوال وليس فيه سوى القليل جداً من الاجراءات.
أما على مستوى خبراء المال والأعمال فقد أعرب عدد غير قليل منهم عن ترحيب مشوب بالحذر ببيان الرئيس الأمريكي ، معتبرين ان الاجراءات التي وردت في الخطاب من الممكن ان تسهم في استعادة الثقة إلى الأسواق، ولكن ليس على المدى القريب.
حيث قال بيف هندري مدير المحافظ الاستثمارية بمؤسسة فينيكس ايردين بنيويورك «إذا دخل بعض المخالفين السجن لتورطهم في هذه الفضائح، فإن ذلك قد يثمر عن شيء» فيما يعد تعبيراً عن خيبة الأمل تجاه ضعف الاجراءات التي نص البيان على اتخاذها ضد الشركات المخالفة.
كما أضاف هندري ان المستثمرين يريدون رؤية أفعال أكثر وكلام أقل، وسن التشريعات يستغرق وقتا طويلاً في إشارة إلى ما ورد في بيان الرئيس عن الحاجة إلى تعديل بعض التشريعات من أجل تشديد العقوبات على المخالفين، وهو الأمر الذي سيستغرق حتماً وقتاً طويلاً من أجل إقراره من جانب الكونجرس بمجلسيه، فضلا عن ان إقرار التشريعات يخضع إلى قدر كبير من المساومات السياسية وتبادل المصالح وضغوط الجماعات ذات المصلحة، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلي تعطيل تمرير مثل هذه الإصلاحات التشريعية، وقد تصدر مع إحاطتها بقدر كبير من التعقيدات التي قد تفرغها من مضمونها الفعلي وتحول دون التنفيذ الفعلي لها.
وفي هذا الصدد كان مسؤولو البيت الأبيض قد صرحوا قبيل بيان الرئيس بوش عن خطة الرئيس لاقتراح معاقبة المديرين الذين يصدرون تقارير مالية مغلوطة بالسجن، وليس فقط بدفع غرامة على ان يقتصر تطبيق عقوبة السجن في حالة التأكد من تعمد التضليل والتزوير في هذه التقارير المحاسبية، وهو الأمر الذي يعتبره المعارضون صعب الإثبات.
وفيما يعد أكبر دليل على فشل كلمة الرئيس بوش في تحقيق المرجو منها وهو تهدئة أسواق المال الأمريكية واستعادة الثقة فيها، أغلقت الأسهم الأمريكية على هبوط حاد مساء يوم الثلاثاء يوم ألقى الرئيس الأمريكي بيانه. حيث أغلقت الأسهم في مؤشر داوجونز الصناعي على انخفاض بلغت نسبته 93 ،1% بينما هبطت أسهم مؤشر ناسداك الذي تغلب عليه شركات التكنولوجيا الجديدة بنسبة 4 ،17% وهبط مؤشر ستاندرد آند بورز الأوسع نطاقاً بنسبة 47 ،2%.
ويعد تراجع مؤشري داوجونز وستاندارد آند بورز أعلى تراجع لهما على مدى خمسة سنوات.
وقد انعكس ذلك الأمر على أسواق المال في آسيا، حيث ارتفع الين الياباني أمام الدولار إلى أعلى مستوياته خلال عشرة أشهر، وأصبح الدولار الواحد يقل عن 118 يناً كما انخفضت الأسهم في بورصة طوكيو؛ حيث انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 2% وانخفضت الأسهم في بورصة تايبيه في تايوان بنسبة تزيد عن 2% كما انخفضت بورصة هونج كونج بمعدل 35 ،0%.
وكان مجلس الشيوخ الأمريكي أكثر فعالية من الرئيس الأمريكي، حيث صدق المجلس يوم الجمعة الموافق 13 - 7 - 2002 وبأغلبية الأعضاء على تعديل تشريعي يمنع منح قروض إلى المسؤولين التنفيذيين في الشركات، كخطوة أولى ضمن مجموعة من الإصلاحات التشريعية التي تستهدف الحيلولة دون استفحال الفضائح المحاسبية في الشركات الأمريكية والعمل على استعادة الثقة في الاقتصاد الأمريكي.
ثالثاً: الآثار المباشرة للأزمة وانعكاساتها على الاقتصادين الأمريكي والعالمي
* أولاً: خسائر المخالفات المالية:
كان للفضائح المالية التي منيت بها السوق الأمريكية أثرها البالغ على تعاملات الأسهم في شتى أنحاء العالم، حيث بلغ حجم الخسائر المحققة بسبب المخالفات المالية ما يقرب من 500 مليار دولار، وهو رقم ضخم مرشح للزيادة مع توالي الكشف عن مخالفات محاسبية في المزيد من الشركات يوماً بعد الآخر.
* ثانياً: آثار الأزمة على شركات المحاسبة الأمريكية الشهيرة:
كان من بين ضحايا الأزمة شركات المحاسبة الدولية التي كانت تتولى مراجعة القوائم المالية للشركات التي طالتها الأزمة، وكانت أولى الضحايا شركة آرثر اندرسون التي كانت تتولى مراجعة وإقرار القوائم المالية لشركة إنرون، حيث منعت بقرار من المحكمة من مزاولة نشاط المراجعة القانونية لأي من الشركات المدرجة على بورصة وول ستريت.
كما قامت شركة زيروكس بعد أزمتها الأخيرة بإلغاء تعاقدها مع مكتب KPMG الذي كان يتولى مراجعة وإقرار قوائمها المالية على مدى سنوات طويلة وهو الأمر الذي يلقي ظلالاً من الشك على أداء ونزاهة هذا المكتب الذي يعد واحداً من أعرق مكاتب المراجعة المحاسبية على المستوى العالمي، وهو الشك الذي لا يستبعد البعض ان يطال عدداً من الشركات التي قام المكتب بمراجعة وإقرار قوائمها المالية مما سيلقي ظلالاً من الشك والريبة ويقلل من مصداقية عدد من هذه الشركات، وهو الأمر الذي قد يدفع بعض هذه الشركات إلى إعادة مراجعة أو إصدار قوائمها المالية كما فعلت زيروكس.
* ثالثاً: آثار الأزمة على النموذج المحاسبي الأمريكي:
ألقت الأزمة بظلالها الكثيفة خارج الولايات المتحدة حيث أصبح الحديث عن مشكلات المراجعة المالية لقوائم الشركات هو الشغل الشاغل للإدارات الاقتصادية وتجمعات الأعمال في أوروبا ودول الشرق الأقصى وأمريكا اللاتينية، خاصة وان كثيرا من الشركات الأمريكية محل الشك تعمل بنشاط في هذه الدول وتلتزم بمعايير المحاسبة الأمريكية التي اعترفت الإدارة الأمريكية ذاتها بأنها تسمح بالتضليل، والتي تعد أقل صرامة من معايير المحاسبة الدولية التي تلتزم بها معظم دول العالم، ولذا صار من المتعين على الاقتصاد الأمريكي الاعتراف بقصور نظامه المحاسبي، والتخلي عن هذا النظام لصالح المعايير المحاسبية المتعارف عليها دولياً.
وهذا الأمر يشكل ضربة قاصمة للتوجه المهيمن للسياسة الأمريكية التي تريد نشر القيم والمفاهيم الأمريكية في شتى المجالات على أوسع نطاق على مستوى العالم، ولاشك ان تراجع النموذج المحاسبي الأمريكي سوف يتبعه تراجع في قيم أخرى ذات صلة بالممارسات المالية وممارسات البورصة والأوراق المالية.
رابعاً: تراجع الاستثمارات الأجنبية وخاصة العربية في الولايات المتحدة
كان من بين الآثار المباشرة لأحداث الحادي عشر من سبتمبر تشديد إجراءات الدخول إلى الولايات المتحدة للقادمين من جميع الدول على وجه العموم ومن الشرق الأوسط على وجه الخصوص، كما كان من بين آثارها أيضاً التدقيق والشك في عدد من الاستثمارات العربية في البنوك الأمريكية باعتبارها مصدراً لتمويل الإرهاب، ومع الفضائح المالية الأخرية فإن من المتوقع ان يحدث تحول كبير للاستثمارات الأجنبية على وجه العموم والعربية على وجه الخصوص من السوق الأمريكي إلى أسواق أخرى في أوروبا والشرق الأقصى، بحيث تتمتع الاستثمارات بدرجة أعلى من الأمان بعيداً عن نظرة الشك والريبة التي قد تصل إلى محاولة التجميد، وأيضاً بعيداً عن الفضائح المالية التي تهدد بفقدان الاستثمارات وتدني قيمتها.
وإذا كانت الاجراءات والممارسات ضد العرب عند محاولة الدخول إلى الولايات المتحدة قد قللت إلى حد كبير من السياحة العربية الوافدة إلى الولايات المتحدة، فمما لا شك فيه ان الفضائح المالية الأخيرة سوف تؤدي إلي زيادة التراجع في الاستثمارات العربية في الأسواق الأمريكية.
الآثار غير المباشرة للأزمة
* أولاً: الفضائح تبدد الآمال بقرب عودة الانتعاش إلى الاقتصاد الأمريكي:
يتوقع كثير من الاقتصاديين ان يكون للفضائح المالية الأخيرة آثار سلبية على احتمالات عودة الانتعاش إلى الاقتصاد الأمريكي خاصة مع انخفاض قيمة الدولار أمام عدد من العملات الأجنبية وتدهور قيمة الأسهم والأوراق المالية في البورصات الأمريكية.
لقد شعر الأمريكيون ان مكونات المنظومة الاقتصادية الخاصة بهم تعمل كل منها في معزل عن الآخر، ففي الوقت الذي كانت وزارة التجارة تعلن عن تحقيق الاقتصاد الأمريكي لمعدلات نمو مرتفعة في انتاج السلع والخدمات خلال الربع الأول من العام الحالي وصلت إلى 1 ،6% مما يزيد من احتمالات عودة الانتعاش إلى الاقتصاد الأمريكي، يفاجأ الشعب الأمريكي بعدد من الفضائح المالية للشركات الأمريكية العملاقة تؤدي إلي تراجع في قيمة الدولار وقيمة الأسهم الأمريكية وهو ما يقود حتما إلى تراجع في حجم الاستثمارات الأجنبية في السوق الأمريكي، الأمر الذي ينعكس بالسلب على احتمالات عودة الانتعاش إلى الاقتصاد الأمريكي.
كما ان هذه الفضائح المالية تمس خطة الرئيس بوش الابن للرواج الاقتصادي التي كان قد أعلن عنها خلال حملته الانتخابية والتي تدعو الأمريكيين إلى الموافقة على استثمار جزء من معاش الرعاية الاجتماعية في سوق الأوراق المالية وهو أمر لن يمكن ان يحدث لسنوات قادمة بعد ان لمس الأمريكيون خطورة مثل هذه المغامرة، وبعد ان وجد عدد كبير من الأمريكيين خلال الاسبوعين الماضيين أنهم قد فقدوا مدخراتهم نتيجة انهيار الأسعار في بورصة الأوراق المالية.
* ثانياً: الآثار المتوقعة على سوق التشغيل والبطالة:
لقد أدى انهيار شركتي انرون وورلد كوم إلى الاستغناء عن مئات الآلاف من العاملين بالشركتين وهو الأمر الذي سيكون له آثاره السلبية علي سوق العمل والتشغيل في الاقتصاد الأمريكي، ولذا كان من بين الاجراءات العاجلة التي تم اتخاذها عقب التحفظ على أصول الشركتين، الافراج عن مبالغ محدودة من أصول الشركتين لدفع رواتب وتعويضات لصغار الموظفين الذين فقدوا وظائفهم نتيجة لمخالفات الشركتين المحاسبية.
* ثالثاً: أزمة المصداقية والثقة:
لقد عمقت الفضائح الأخيرة من أزمة الثقة والمصداقية التي عانى منها المجتمع الأمريكي في الفترة الأخيرة، فقد أثيرت خلال الأزمة عدد من الشبهات عن الذمة المالية الخاصة بالرئيس الأمريكي نفسه وبنائبه تشيني:
- حيث قيل انه تلقى قروضاً حين كان عضوا بمجلس إدارة شركة هاركن للطاقة وصلت إلى 180 ألف دولار استخدمها لشراء أسهم من الشركة.
- تم تسجيل مخالفات مالية وتجاوزات في شركة وورلد كوم عندما كان الرئيس جورج بوش الابن مديراً تنفيذياً لها بلغت 400 مليون دولار.
- تمت الإشارة إلى تحقيق سابق أجري مع الرئيس جورج بوش الابن حول بيع أسهمه في شركة هاركين للطاقة إبان عضويته في مجلس إدارة تلك الشركة عام 1990 بقيمة 850 ألف دولار قبل شهرين فقط من انهيار الشركة.
- بالنسبة للنائب تشيني أثيرت شبهات حول تورطه في مخالفات محاسبية خاصة بشركة هالبيرتون للطاقة وقت ان كان يتولى رئاستها.
وعلى الرغم من نفي الرئيس ونائبه لكافة الشبهات التي أثيرت حولهما، إلا ان مجرد إثارة هذه الشبهات في هذا التوقيت بالذات، بالإضافة إلى عدد من الاعتبارات الأخرى والتي من بينها:
1- جاء بيان الرئيس بشأن الأزمة خالياً من أي إجراءات فعلية حقيقية للتعامل مع الأزمة ومحاسبة المسؤولين عنها.
2- يعرف الجميع ان إنرون كانت من أكبر المتبرعين للحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي.
3- حقيقة ان شرعية تولي بوش الابن منصب الرئيس شرعية غير مكتملة نظراً لما أحاط بعملية انتخابه من مشكلات لم تحسمها إلا المحكمة الدستورية العليا، فضلاً عن انه لم يفز بأغلبية أصوات الناخبين (التصويت الشعبي).
4- سيطرة أغلبية ديمقراطية على مجلس الشيوخ.
هذه الاعتبارات تقلل إلى حد كبير من مصداقية الرئيس الأمريكي لدى الشعب، وبالتالي تقل ثقة الشعب فيه وفي قدرته على قيادة السفينة، خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي وان كانت قد زادت من شعبية الرئيس بوش الابن وثقة الشعب فيه نتيجة الحرب المزعومة ضد الإرهاب، إلا ان الفضائح المالية الأخيرة كشفت ان هذه المصداقية وتلك الثقة كانت وليدة الإحساس بالخطر من ناحية، ونتيجة لتعبئة أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها اللوبي الصهيوني للمشاعر الأمريكية في اتجاه الحرب والانتقام تحقيقا لمصالح خاصة بهم وللتعمية على الجرائم التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني، وجاءت هذه الفضائح المالية لتكشف عن ضعف وهشاشة الثقة التي تحظى بها الإدارة الأمريكية لدى مواطنيها.
وهو الأمر الذي أكدته استطلاعات الرأي الأخيرة التي أظهرت تراجعاً في تأييد الشعب الأمريكي لمعالجة الرئيس بوش للأوضاع الاقتصادية، حيث انخفض ذلك التأييد من 72% في اكتوبر الماضي إلى 58% عقب أزمة فضائح الشركات الأخيرة، ذلك على الرغم من ان نسبة كبيرة من الشعب الأمريكي تؤيد أداء الرئيس بوش على وجه العموم عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وإذا كان الاقتصاد الأمريكي هو قاطرة الاقتصاد العالمي التي تدفعه نحو النمو والازدهار فمما لاشك فيه ان الفضائح المالية الأخيرة في الولايات المتحدة سوف تكون لها انعكاساتها غير المباشرة على آمال عودة الانتعاش إلى الاقتصاد العالمي ولذا فقد حرص الرئيس الأمريكي بوش الابن على التأكيد في تصريحات صحفية للصحفيين البولنديين قبل الزيارة التي يعتزم الرئيس البولندي القيام بها إلى الولايات المتحدة ان إدارته استطاعت تحقيق تقدم نحو تحسين أداء الاقتصاد الأمريكي، مضيفاً إلى أنه سيؤكد للرئيس البولندي ان الاقتصاد الأمريكي قوي وان خطوات الانتعاش بدأت في الظهور وكشف بوش عن انه سيشرح للرئيس البولندي الخطوات التي اتخذتها حكومته للقضاء على الانتهاكات التي حدثت أخيراً وذلك لتهدئة المخاوف من تأثر الاقتصاد الأوروبي بما يحدث في الولايات المتحدة.

 

[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved