في أكثر من تحقيق صحفي أُجريت داخل المملكة وخارجها في المراكز الإصلاحية التي تحتضن المراهقين والمراهقات من أصحاب الجنوح والانحراف السلوكي ظهرت أصوات غاضبة محتجَّة من معظم هؤلاء الشباب تعلن بوضوح أن الأسرة هي المسؤولة عن جنوحهم وانحرافهم،وأن الآباء والأمهات هم الذين فتحوا لأبنائهم وبناتهم أبواب الانحراف دون حسيب أو رقيب.
وإن مما يستحق الوقوف عنده من أقوال هؤلاءالشباب الجانحين من الجنسين، ما أعلنوه من الاستنكار الشديد لتهاون أسرهم في تربيتهم وتوجيههم، مؤكدين أن أبرز وأخطر معالم هذا التهاون «التدليل» للأبناء والبنات، وتلبية رغباتهم، والحرص الدائم على إرضائهم بتحقيق ما يطلبون من أهلهم.
معظم الشباب يشكو من مشكلة «التدليل» التي كانت السبب في انحرافه، فتلك فتاة تدعو على أبيها وتشتمه لأنه كان السبب في انحرافها، فهو الذي ابتاع لها «الجوال» حينما طلبته، وتركها وحيدة معه تتنقل من خلاله عبر موجات الإرسال كيف تشاء وإلى من تشاء، وأقسمت هذه الفتاة أن أباها لم يسألها - يوماً - عن مكالماتها وعن حالها مع جوالها الذي قادها - على حسب قولها - إلى الانحراف الذي أدَّى بها إلى «الإصلاحية» لتنضم إلى عالم الجنوح الذي لم تكن تفكر أبداً أن تكون من أهله.
وانتقلت هذه الفتاة إلى أمها فأخذت تدعو عليها، وتسأل الله أن ينصرها على أمها التي ألقت لها الحبل على الغارب وتركتها مع رفيقات السوء اللاتي ذهبن بها في دروب العبث كل مذهب، بينما كانت أمها - سامحها الله - مشغولة بصداقاتها مع نساء فارغات مثلها، مشغولات بملاحقة الموضات، ومطاردة مواعيد الولائم والحفلات، والمناسبات التي تفترس وقت كثير من الأمهات، وتشغلهن عن أبنائهن وبناتهن الذين يتربَّون في كنف الخادمات، ويغرقون في متابعة القنوات، وإحراق الوقت في أتون المكالمات الهاتفية والجوالية دون متابعة من عاقل يرشد ويوجِّه.
وذلك فتى يعلن كراهيته الشديدة لأبيه الذي دلله ولبَّى جميع رغباته وأتاح له السفر إلى أي مكان في العالم دون متابعة وتوجيه، ووضع بين يديه وهو في المرحلة الثانوية جهاز «الإنترنت» الذي فتح له - على حد قوله - من منافذ المتعة واللذة «المنحرفة» ما جرفه في طريق الانحراف، وينادي هذا الفتى بعقاب والده، ومحاسبته على إهماله له بالتدليل وتلبية الرغبات دون توجيه وإرشاد، ويؤكِّد هذا الفتى أن نصائح أبيه له عند سفره لا تتجاوز قوله: تأكد من سلامة من تتعامل معهم في الخارج من الأمراض المعدية كالإيدز وغيره،وكأن هذا الأب «الجاني» يقول لولده بلسان إهماله وتفريطه: لا بأس من الانحراف السلوكي، لكن احذر من الأمراض.
وهنالك قصص كثيرة تدمي القلب، وتجرح النفس، ولا يكاد يصدّقها عقل أبداً، هنالك - أيُّها الأحبِّة - في عالم الشباب أسرار كثيرة عن إهمال الآباء والأمهات، وعدم تقديرهم للمواقف، وغفلتهم عن خطورة التدليل المتجاوز للحد، تحتاج إلى مراجعة جادة، وإلى صحوة من الآباء والأمهات الذين ألهتهم رغباتهم، وعلاقاتهم «المتجاوزة للحد» عن فلذات أكبادهم.. إن الأبناء والبنات يصرخون بأعلى أصواتهم بعد أن انحرفت ببعضهم الأهواء، يخاطبونكم بوضوح وصراحة: نعم أنتم المسؤولون، فماذا تقولون؟!
إشارة